تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وكانت الترجمة من اليونانية إلى العربية « 1 » . ولكننا لا نملك الأدلة العلمية الدامغة على قول « شبرنجر » ، خاصة من جهة ترجمة الكتب والأسفار من اليونانية إلى العربية ، والتي بدأت حقيقة في منتصف العصر الأموي فقط ، كما أننا لا نملك البراهين العلمية التي تؤكد أن القصص الواردة في التوراة والإنجيل قد نقلت إلى العرب قبل الإسلام ، لأن مصادرنا حولها قد استقيناها من قصص كعب الأحبار ، ووهب بن منبه وغيرهما من علماء اليهود الذين أسلموا وساهموا في إدخال الإسرائيليات إلى التفاسير القرآنية . واهتم المستشرق الألماني الكبير « نولدكه » بالمصطلحات الدينية المعروفة لدى أهل الكتاب في الجاهلية ، والتي أقرها القرآن الكريم ، واستنتج منها تأثر الإسلام بالعهدين القديم والجديد . ولكن المصطلحات اللغوية لا تكفي وحدها للتدليل بوجود الأثر والتأثير ، خاصة أنه لم تكن للجاهليين ديانة قوية بلغتها ، ومصطلحاتها وأحكامها ، فكانوا لا بد من أن يتأثروا بالمصطلحات الدينية للمسيحية واليهود ، غير أن هذا لا يعني اقتباس القرآن منهما هذه المصطلحات خاصة وأن معظمها مستنبط من أصل سرياني أو عبراني أو يوناني أو حبشي . وذكر الدكتور جواد علي أن الأب شيخو في كتابه « النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية » قد جمع الألفاظ الخاصة بأهل الكتاب من الأبيات الواردة في دواوين شعراء الجاهلية وفي كتب الأدب ، ليجعل من تلك الألفاظ دليلا على أثر النصرانية في الجاهليين ، وهو حكم لا يمكن أن يكون سليما ، إلا بعد ثبوت صحة نسبة تلك الأبيات إلى الجاهليين « 2 » . ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن القرآن قد تأثر بالمذهب اليعقوبي عند إقراره للمسيح بالطبيعة البشرية دون الإلهية ، وهو رأي يخالف ما ذهبت إليه النسطورية كما أسلفنا . غير أن هذا الرأي لا يستقيم لأن المذهب اليعقوبي لم يكن معروفا لدى أهل مكة ، ولم نعثر في معظم المصادر العربية التي رجعنا إليها على تأثير هذا المذهب على العرب الجاهليين ، أو إبان الصدر الأول للإسلام . كما أن هذا المذهب قد انتشر بين الغساسنة وإن كان هؤلاء على علاقة بالقوافل التجارية العربية العابرة إلى الشام ، إلّا أننا لم نحصل على أية معلومات حول تأثير الغساسنة الديني على أهل العرب
هامش
( 1 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، الجزء السادس ، ص 681 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 688 .