تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
الدولة الحميرية ، فنشروا المسيحية من جديد في اليمن ونجران ، وبقيت الأخيرة على ما هي عليه حتى ظهور الإسلام وورود قصة « المباهلة » بين وفدهم وبين الرسول ، وانتهاء الأمر إلى المصالحة « 1 » . ونخلص من ذلك كله ، أن المسيحية دخلت الجزيرة العربية عن طريق البر والبحر . برا عن طريق العراق والشام حتى الحجاز واليمن ، وبحرا عن طريق التجارة والسفن البيزنطية ، والحملة الحبشية على اليمن . لكن الذي يهمنا في مبحثنا دراسة الآثار الثقافية المسيحية على أهل الجزيرة العربية ، والآثار التي خلفوها بين أهلها من الناحية العلمية والدينية ، ومدى تأثر العرب بها ، حتى نستطيع أن نحكم بسريان هذا التأثير على النبي العربي ، ومدى استقائه لمعلوماته ومعارفه من مصادرهم الدينية . إن معرفة الآثار الثقافية المسيحية على الديانة الإسلامية - كما يذهب المستشرقون إليه - تقتضي منّا التعرض في عجالة إلى المذاهب النصرانية خاصة تلك التي انتشرت في الجزيرة العربية لنرى مدى تأثر الإسلام بها من عدمه . يهمنا من المذاهب النصرانية المتعددة مذهبان أساسيان دخلا الشرق ، وانتشرا فيه ، وأوجدا الخلاف والفرقة بين أنصارهما طبقا لطبيعة المذاهب والأحزاب والملل والنحل الأخرى ألا وهما : المذهب النسطوري ، والمذهب اليعقوبي . ترجع تسمية المذهب النسطوري إلى الراهب « نسطوريوس » المتوفى سنة 450 ميلادية ، وملخص مذهبه أن جعل للمسيح طبيعتين : الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية ويعني ذلك أن للمسيح أقنومين : أقنوما بشريا أتى إليه عن طريق والدته مريم ، وأقنوما إليها باعتبار المسيح ابن اللّه وكلمته « 2 » . قاومت الكنيسة الرسمية هذه الآراء النسطورية حول طبيعة المسيح البشرية والإلهية ، وحاكمه مجمع « أفسوس » عام 431 م ، وقرر المجمع الحكم عليه بهرطقة آرائه ، ومخالفتها للمبادئ الأساسية التي تدين بها الكنيسة المسيحية ، ونتيجة هذا الحكم عزل « نسطوريوس » من أسقفية القسطنطينية ، وتعرض هو وأتباعه إلى الاضطهاد شأن الحال في سائر القضايا الفكرية والدينية المماثلة . ومع ذلك فإن أتباع هذا المذهب
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، الجزء الثالث ، ص 157 وما بعدها . ( 2 ) القاضي عبد الجبار المعتزلي ، شرح الأصول الخمسة ، تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان ، القاهرة 1965 م ، ص 292 وما بعدها .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 290 | ساسي سالم الحاج