تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
المتنصرين قد تأثروا بتلك العظات والمواعظ الدينية التي يرافقها عادة حسن الضيافة والاستقبال في تلك المحطات التجارية الموحشة . ويذهب الطبري إلى أن النصرانية قد دخلت اليمن عن طريق رجل مسيحي صالح يدعى « كيمون » أو « فيمون » . وكان ثريا غنيا ، فترك أملاكه ، وزهد في الدنيا ، وغادر مسقط رأسه واختلط برهبان النصارى حتى أصبح واحدا منهم ، فتوغل في الجزيرة العربية ، وهنالك سطت عليه بعض القبائل العربية واتخذته رقيقا ، واستقر به الترحال في نهاية المطاف بمدينة نجران اليمنية . وهنالك أعجب به سيده لما رآه عليه من التبتل والعبادة ، فآمن بدينه وتبعه النجرانيون جميعا - بعد معجزة سقوط النخلة التي نراها من تزيّد الإخباريين والرواة - هناك انتشرت المسيحية في تلك الأصقاع « 1 » . ونحن نرى أن النصرانية قد انتشرت عن طريق المبشرين الذين توغلوا في الجزيرة العربية حتى وصلوا إلى اليمن ، وربما يكون « كيمون » أحدهم ، أو « عبد اللّه التامر » في رواية أخرى للطبري ، إلّا أن هناك طرقا أخرى وصلت بها النصرانية إلى تلك الأصقاع أهمها الطريق البحري الذي كان يسلكه الدعاة المسيحيون والذين قاموا بتأسيس العديد من الكنائس على سواحل الجزيرة العربية وهم في طريقهم إلى الهند . وكذلك من خلال الدعاة والمبشرين الرسميين الذين توفدهم الدولة البيزنطية إلى هذه الأصقاع لنشر المسيحية بين ربوعها . بل إن الروايات الغربية تؤكد أن الإمبراطور الروماني « قسطنطين » الذي جعل من المسيحية عام 313 م دينا رسميا للدولة الرومانية ، أرسل العديد من البعوث الدينية إلى اليمن والحبشة لنشر الدين المسيحي في تلك الأصقاع ، ولضم الحبشة واليمن إلى معسكره « 2 » . ولعل الرواية الصحيحة التي نقر بموجبها انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية تلك الواردة في القرآن الكريم في سورة « البروج » والتي ورد بها تنكيل اليهود اليمنيين بنصارى نجران ، وحرقهم في أخاديد مستطيلة حفرت لهم في الأرض . ويزيد الأخباريون عليها فرار بعض منهم إلى ملك القسطنطينية واستجارتهم به لنصرة دينه ، وإرسال الأخير أسطولا للنجاشي بالحبشة الذي كان من نصيبه تزويد الحملة بالرجال والعتاد ، وهجوم الأسطول البيزنطي والمشاة الأحباش على اليمن وقضاؤهم على
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، دار المعارف ، الجزء الثاني ، ص 103 وما بعدها . ( 2 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، الجزء السادس ، ص 613 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 289 | ساسي سالم الحاج