تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
الموسوية ولم يخضعوا لأحكام التلمود « 1 » . بل إن المستشرق الألماني « كاسكيل »
caskel
ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أنكر يهودية اليهود في الجزيرة العربية استنادا إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام ، ورأى أنهم عرب متهوّدون تهودا بتأثير الدعاة اليهود « 2 » . ولو أخذنا بهذا الرأي لوجدنا عدم تأثير اليهود على عرب الجزيرة أصلا ، لأنهم بأنفسهم عرب اعتنقوا اليهودية عن طريق المبشرين ، إلّا أن هذا الرأي يجانبه الصواب من وجوه عدة أهمها أن اليهود لم يبشروا بدياناتهم عبر التاريخ ، كما أنه لا يمكن الاستدلال على أصول الأمم والشعوب من خلال دراسة الأسماء وحدها . وينكر المستشرق « ونكلر »
Winkler
الأصول اليهودية لمن أطلق عليهم اليهود بالجزيرة العربية ، استنادا إلى مستواهم الثقافي والاجتماعي المتدني الذي لا يرقى إلى مستوى أقوامهم بفلسطين . ونستنتج من هذا الرأي أن يهود الجزيرة العربية لم يكونوا على ثقافة واسعة دينية أو مدنية حتى يؤثروا في القرآن الكريم ، الحافل بالعلوم والمعارف والتشريع والحكم والقصص كما هو معروف لدينا . ولعل أكبر دليل نسوقه على تدني المستوى الثقافي ليهود الجزيرة العربية ما أورده « ابن خلدون » في مقدمته إبان تعرضه لتفسير القرآن حيث قال : « إذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى . وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ، ولا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية . فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك » « 3 » . وقوم هذا مستواهم الثقافي الضئيل لا يمكنهم أن يؤثروا في الإسلام هذا التأثير الذي يزعم المستشرقون أنهم ما رسوه على النبي العربي عبادة ومعاملة . وإذا ما تركنا ذلك كله ، وصدقنا ما ذهب إليه المستشرقون في هذا السبيل ،
هامش
( 1 ) إسرائيل ولفنسون ، تاريخ اليهود في بلاد العرب ، القاهرة 1927 م ، ص 13 . ( 2 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، الجزء السادس ، ص 530 . ( 3 ) ابن خلدون ، المقدمة ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت 1971 م ، ص 367 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 287 | ساسي سالم الحاج