فكيف نستطيع أن نفسر سكوت اليهود على اقتباس النبي لهم في الأمور الدينية والدنيوية ؟ . ذلك أن الجدل الذي احتدم بين الطرفين إبان فترة الصراع الفكري لا ينبئ عن التوافق أكثر مما ينبئ عن التناقض في العقيدة والشريعة . بل إن مناقضة الإسلام للديانة اليهودية هو الذي أدى إلى زيادة الشقاق بينهما والذي وصل إلى غايته الحتمية وهو انتصار أحدهما على الآخر انتصارا كاملا .
فإذا تركنا أثر اليهودية المزعوم على القرآن الكريم ، وانتقلنا إلى دراسة آثار النصرانية على هذا الكتاب المقدس لوجدنا أن هذه الديانة قد دخلت هي الأخرى الجزيرة العربية عن طريق التبشير من جهة ، وعن طريق الغزو والتجارة من جهة أخرى .
فقد نزح إلى الجزيرة العربية وأطرافها العديد من الرهبان النصارى ، الذين عاشوا فيها عيشة تبتل وعبادة ، وكانوا يسعون إلى نشر المسيحية عن طريق إتقانهم العديد من العلوم والمعارف خاصة الطبية والمنطقية ، فتمكنوا من خلال الطب ووسائل الإقناع الأخرى من اكتساب قلوب بعض القبائل العربية وساداتها ، فاعتنقوا المسيحية ، وأصبحوا من رعاياها وأنصارها . ودخلت النصرانية عن طريق التجارة أيضا خاصة من خلال تجارة الرقيق من الجنسين ، وكان هؤلاء المساكين من النصارى ، قد لعبوا دورا هاما في الحياة الثقافية والدينية للعرب ، فقد لعب الرقيق الذكر دوره عن طريق إتقان بعض العلوم والمعارف ، واستخدمهم أسيادهم في تسجيل وحفظ تجارتهم وعروضهم . وحاولوا تنصير هؤلاء التجار ، فأفلحوا في بعضهم ، وفشلوا في بعضهم الآخر . ولعب الرقيق الأبيض دوره عن طريق الجمال ، والإغراء ، خاصة أن هذا النوع يمتاز عن الرقيق الأسود بالجمال ، والدلال ، والحسن ، والابتكار والقيام بأعمال مهنية ومنزلية لا يعرفها الرقيق الإفريقي . وحاول هذا النوع من الأرقاء إقناع أسيادهن بالدخول في النصرانية ، فأفلحن هن الأخريات في بعض منهم وفشلن في بعضهم الآخر أيضا .
أشرنا في السابق إلى تأثير الأديرة المسيحية المقامة على أطراف الصحراء العربية ، من إيواء القوافل التجارية العربية إليها إبان رحلتها الطويلة من وسط الجزيرة إلى الشام ، فكانت تستريح في تلك الأديرة ، وتنزل في ضيافة رهبانها ، وتتزود منها بالزاد والماء ، وكثيرا ما يسمع التجار عظات ومواعظ هؤلاء الرهبان المنبثين في تلك الأصقاع الموحشة ، وهم يدعون ويبشرون بديانة المسيح . ولعل العديد من العرب
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 288
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٨٨