تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ميزاته ، وخصائصه ، وأحكامه ، وأوامره ، ونواهيه ، وعقائده ، وتنظيماته كالإسلام من الآثار اليهودية الواردة في كتبهم المقدسة . نعم هناك العديد من التشابه بين الديانات السماوية في ما يتعلق بالتوحيد ، والمعتقدات ، وإنكار عبادة الأصنام ، وتقرير بعض الأحكام التعبدية ، وإقرار بعض العقوبات الجنائية ، ورواية بعض القصص المتعلقة بالرسل السابقين والأمم البائدة . والسبب في ذلك أن هذه الكتب المقدسة جميعها مصدرها اللّه ، إذ يعتقد المسلمون جميعا أن مرجعها إلى اللّه الذي أوحى بها إلى الأنبياء ليبلّغوا بها الأقوام السابقة كما بلّغ بها نبي الإسلام فيكون مصدر هذا التشابه واحدا ، لأنها صادرة من مصدر واحد هو اللّه الذي أنزل الديانات السماوية الثلاث ، وكيف يتسنى لنا أن نساير المستشرقين في تحليلاتهم التي تذهب إلى إنكار الوحي الإلهي على محمد ، ونفي مصدر القرآن الإلهي ، والتشديد على بشريته بينما العديد منهم يؤمنون بالرسالات السماوية الأخرى من يهودية ومسيحية ، بل إن بعضا منهم يتصف بالتدين الشديد في هاتين الديانتين السماويتين ، ويجوز لنا أن نقبل تحليلاتهم المليئة بالشكوك في هذه المسائل الاعتقادية لو أنكروا مسألة الوحي الإلهي ، والإيمان الغيبي ونفي الرسالات السابقة عن الإسلام ، أما أنهم يؤمنون بالديانات السماوية الأخرى ، ويصدقون الرسل الذين بشروا بها وأذاعوها في الآفاق ، ثم ينصبّ نفيهم على الرسالة المحمدية فيكونون قد حادوا عن جادة الصواب ، واتصفوا بصفة التعصب العرقي الذي يميز بين الأجناس ، ويبيح لبعض الأقوام التشرف بإنزال الرسالة السماوية عليه ومن خلال أنبيائه وينكر على الشعوب الأخرى هذه الصفة كما فعل اليهود طوال تاريخهم إلى يومنا هذا باعتبارهم شعب اللّه المختار ، فأنكروا الرسالة المحمدية ، وأبوا التسليم بها ، لأنه لم يكن منهم ، ولأن النبوة لا تكون - على رأيهم - إلّا في بني إسرائيل ، فكيف يصدقون بنبي عربي من الأميين ؟ . وإذا ما تركنا ذلك كله ، ودرسنا بعمق حالة اليهود الثقافية والحضارية قبل الإسلام لأدركنا ضآلة تأثيرهم على الحياة الثقافية العربية ناهيك بهذا التأثير في صلب القرآن الكريم . وبيان ذلك أن المؤرخين اليهود أنفسهم يرون أن يهود الجزيرة العربية كانوا في معزل عن بقية أبناء دينهم ، وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن يهود الجزيرة العربية مثلهم في العقيدة ، بل رأوا أنهم لم يكونوا يهودا ، لأنهم لم يحافظوا على الشرائع
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 286 | ساسي سالم الحاج