كما تعلم العرب من اليهود السحر ، وكتابة التعاويذ ، وإن كنا ننكر جملة وتفصيلا حكاية سحر النبي من قبل يهود يثرب ، وهي الحكاية التي أشارت إليها كتب بعض المؤرخين ورواة الحديث لمنافاتها للعقل والمنطق ولعصمة الرسول « 1 » .
وعرف العرب من اليهود بعض أحكامهم الجنائية ، وتصرفاتهم مع زوجاتهم إبان فترة الحيض ، فقد علموا أن عقوبة الزاني الرجم حتى الموت ، وعرفوا أنهم يعتزلون النساء في المحيض ويخرجونهن إبان هذه الفترة من البيوت ، خلافا للمسيحيين الذين لا يبالون بالحيض . فاتخذ الإسلام في هذه القضية طريقا وسطا وذلك بعدم قربهم لهن إبان هذه الفترة وعدم إخراجهن من البيوت في أثنائها .
وأنكر الباحثون وجود نصوص يهودية ثابتة ، أو نصوص عربية جاهلية تشير إلى كيفية انتقال اليهود إلى الجزيرة العربية ، أو تبين آثارهم على العرب قبل الإسلام .
ولكن المستشرقين تحدثوا عن أثر اليهود على عرب الجزيرة ، فزعموا أن الختان هو من أثر اليهود على العرب ، وشعائر الحج عند الوثنيين أكثرها من اليهود ، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني إسرائيل ، لأنهم كانوا يطوفون حول خيمة الإله « يهوه » فاقتبس منهم العرب هذه الشعيرة . و « منى » هو صنم من أصنام اليهود ، وأسماء أيام الأسبوع هي تسميات يهودية ، ولفظة « المدينة » التي تطلق على يثرب ، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام ، وقد أخذوها من الآرامية ، والاغتسال الّذي يعرفه العرب أتاهم من اليهود ، والصوم كان معروفا لديهم وللنصارى فتأثر العرب بهما خاصة صوم يوم عاشوراء إلى أن جعله النبي اختيارا بعد فرض الصوم الإسلامي المعروف ، وأشياء أخرى كثيرة زعم المستشرقون أن اليهود قد أدخلوها إلى أهل الجزيرة .
ونحن بصدد الرد على هذه الشبهات التي تزعم تأثر النبي باليهود في العديد من الأمور التعبدية وتلك المنظمة للأمور المدنية ، نود أن نؤكد حقيقة علمية طالما أشرنا إليها في الجزء الأول من كتابنا وهو تأثر الحضارات والشعوب بعضها ببعض واقتباس بعضها عن بعض ، وهذه أمور لا يجحدها إلّا مكابر ولا ينكرها محايد . ولكن شتّان بين الأثر والتأثير الظاهري في المسائل الحضارية التي درجت عليها البشرية عبر مسيراتها الحضارية وبين هذه المزاعم الاستشراقية التي تؤكد اقتباس دين سماوي له
هامش
( 1 ) البخاري ، باب السحر .