واستمرت اليهودية باليمن حتى تم القضاء عليها من قبل الأحباش بعد فتنة نجران التي ذهب ضحيتها المسيحيون الذين أطلق عليهم القرآن
أَصْحابُ الْأُخْدُودِ
أما في شمال الجزيرة العربية فقد استقرت جاليات منهم بيثرب ، ووادي القرى ، وخيبر ، وبقوا على ما كانوا عليه إلى أن ظهر الإسلام ، وكانوا لا وجود لهم يذكر في مكة إلّا أن تمركزهم بيثرب وسيطرتهم العلمية والثقافية على قبيلتي الأوس والخزرج كانت واضحة لما كانوا يتميزون به من علم وثقافة بصفتهم أصحاب كتاب مقدس .
وعندما هاجر الرسول إلى المدينة عقد معهم معاهدات حسنة ، نظمت كيفية التعامل بينهم في العديد من الأمور الدنيوية خاصة الدفاعية منها . ولكن عندما انتشر الإسلام في أهل يثرب ، ودعوة الرسول إلى اليهود للدخول فيه ، خشي اليهود من القضاء على ديانتهم خاصة أنهم يعتقدون أن النبوة قد ختمت ، وأنه لا نبي إلّا من قومهم .
تميزت العلاقات الثقافية والعقائدية الأولى بين الطرفين بالجدل الديني والعقدي كما أورده القرآن الكريم في العديد من آياته . ثم ازدادت هذه المناظرات عنفا وإلحاحا لما رأى اليهود أن الرسول يرفض نظرياتهم وأفكارهم ، فتطورت هذه المجادلات والمناظرات من خصومة فكرية إلى معارك حربية كانت الغلبة فيها للمسلمين الذين أجلوهم عن الجزيرة العربية .
وإذا ما بحثنا الحياة العقلية والثقافية ليهود قبل الإسلام وأثرها في الجزيرة العربية ، لوجدنا أن لهؤلاء القوم شأنا في تلك الأصقاع ، فكانت لهم مدارس « المدراش » يتذاكرون فيها ما ورد في التوراة والمشنا من حكم ومواعظ وتشريعات .
وقد نجمت عن هذه الدراسة ثروة أدبية ودينية طائلة للعبرانيين نتجت من اتباع جملة طرق في الشرح والتفسير ، منها « مدارش هلاخه »
Midrash halachah
و « مدراش هاكاده »
Midrash haggadah
وتختلف هذه في كيفية اتباع طرق العرض والشرح والتفسير « 1 » .
أمّا بالنسبة لآثارهم الثقافية والعقائدية على أهل الجزيرة العربية ؛ فقد ثبت لدى الباحثين اتصال بعض رجال مكة ويثرب باليهود والاستفسار منهم عن أمور الرسل والأنبياء وعن بعض الأحكام ، وقد وجدت هذه القصص والأحكام سبيلها إليهم .
هامش
( 1 ) د . جواد علي . المرجع السابق ، الجزء السادس ، ص 550 .