وكيف لا يلاحظ مرافقوه من تجار قريش التقاء الرسول به ، والمكوث معه أياما وليالي طويلة ، وهو يغترف من معين هذا الراهب العلمي ؟ . وكيف يتسنى له ذلك وهو أمي لا يتمكن من تسجيل تلك المعلومات وتدوينها للاستعانة بها في تأليف كتابه ؟ .
إن سائر المصادر الداخلية التي جهد المستشرقون في بيانها ، وتأصيلها باعتبارها مصادر للقرآن الكريم لا تصمد أمام النقد الجدي ، والبحث المتأني والموضوعية العلمية . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يكون حال المصادر الخارجية التي زعم هؤلاء الباحثون أن الرسول قد تأثر بها في تدبيج كتابه ؟ .
يقصد المستشرقون بالمصادر الخارجية للقرآن الكريم ، الحكم ، والمواعظ ، والمبادئ ، والأوامر والنواهي ، والقصص الواردة في كتب التوراة والإنجيل والكتب السماوية الأخرى . وأجهدوا أنفسهم في تلمس الأحكام والقصص الواردة بها ومقابلتها بتلك المنصوص عليها في القرآن الكريم ، واستخدموا في ذلك منهج المطابقة والمقابلة ، الذي إن كان قد أسعفهم كثيرا في دراسة وبحث النصوص الإسلامية فإنه خذلهم عند استخدامه في تلمس مصادر القرآن الكريم .
ونحن بصدد الرد على هذه الشبهة التي ذكرنا من قال بها في بداية مبحثنا هذا ، فإن البحث العلمي يحتم علينا التعرض إلى كيفية دخول هاتين الديانتين للجزيرة العربية أولا ، وبيان الأحكام والمبادئ التي نشروها في هذه الأصقاع ثانيا ، والمؤثرات التي أدخلوها على العرب ثالثا ، ومدى صحة ادعاء المستشرقين من تأثر الرسول بهم في القرآن رابعا .
ثبت لدى المؤرخين والباحثين وجود اليهود في الجزيرة العربية ، واستقرارهم بيثرب ، واصطدامهم بالرسول بعد هجرته إليها ، ومجادلتهم إياه في الأمور التعبدية والمدنية . ويرجع الباحثون قدوم اليهود إلى الجزيرة العربية من فلسطين بعد أن استولى عليها « نبوخذ نصر » البابلي . وأنهم انتشروا في الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية ، ثم تسربوا إلى جنوبها ، حتى أصبحت اليهودية الديانة الرسمية لليمن ، أما كيفية حصول ذلك ، فليس لدينا إلّا رواية الطبري التي زعم فيها أن « تبع بن حسان » اهتدى إلى ديانتهم عند مروره بيثرب وهو عائد إلى بلاده من حرب قام بها في الشمال ، وذلك بتأثير بعض الأحبار عليه « 1 » .
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، الجزء الثاني ، ص 105 وما بعدها ، دار المعارف بمصر .