من عمره ، خرج عمه أبو طالب في قافلة تجارية إلى الشام ، ولما تهيأ لذلك تعلق به الرسول ، فرق له عمه ، واصطحبه معه وهو غلام صغير . ولما وصلت القافلة « بصرى » من أرض الشام ، كان بها راهب يقال له « بحيرى » في صومعة له ، وكان إليه علم أهل النصرانية . فلما نزلت قافلة قريش عليه صنع لهم طعاما كثيرا ، ودعا القوم إلى ضيافته ، فحضروا جميعا سوى الرسول الذي خلفه عمه لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة ، فأصر بحيرى على حضوره لأنه شاهد علامات النبوة عليه ، وبعد تناول الطعام ، سأل بحيرى الرسول عدة أسئلة عن حاله في نومه ، وهيئته ، وأموره ، ورسول اللّه يخبره ، تيقن بحيرى أن هذا الغلام سيكون له شأن كبير في مستقبل الأيام ، فحذّر عمه من كيد اليهود له وأمره بالرجوع به إلى مكة حين يفرغ من تجارته بالشام « 1 » .
وانتهت الأخبار إلى هذه النقطة . لكن المستشرقين أولوا هذه الأخبار وذهبوا بها مذاهب شتى منها : أن الرسول كان يتردد على هذا الراهب إبان سفره للتجارة عندما أصبح شابا ، وأنه استقى منه العديد من الحكم والمعارف الدينية ، وأنه كان أحد مصادره لتأليف القرآن الكريم . ويتبين خطل هذا الرأي من عدة وجوه منها : أن الرسول لم ير بحيرى إلّا مرة واحدة وللحظات بسيطة وهو طفل صغير ، ولا يعقل أن يستقي منه شيئا من المعارف والمعلومات في هذه الفترة الوجيزة وفي هذه السن اليافعة . وثبت أن الرسول لم يسافر للتجارة إلّا مرة واحدة بعد أن أصبح شابا ، وذلك عندما استأجرته خديجة لتجارتها . واتفقت الروايات على عدم مروره ببحيرى هذه المرة . ولم يشر الأخباريون ومؤرخو السيرة إطلاقا إلى عودة الرسول إليه مرة ثانية . وإذا صدقنا برواية التقاء الرسول ببحيرى رفقة عمه أبي طالب ، فإن الأحداث تنبئنا بأنه عاد إلى التجارة وهو قريب السن من الخامسة والعشرين ، لأنه تزوج بخديجة في هذا العمر ، أي بعد عودته من تجارته بالشام ، فيكون بحيرى قد قضى نحبه خلال هاتين الفترتين ، لأنه كان كبير السن عندما مرّ به الرسول للمرة الأولى . والأسئلة التي لا إجابة عنها من قبل المستشرقين عن هذا التأثير تتحدد في الأمور التالية : كيف يتأثر الرسول بهذا الراهب وقد رآه والتقى به مرة واحدة وهو في الثانية عشرة من عمره ؟ ، وكيف يتسنى له أن يتلقى منه المعارف والقصص ، والأحكام والمواعظ ، والأوامر والنواهي الواردة في القرآن الكريم وهو يمر بهذا الراهب مرور الكرام حتى ولو فرضنا التقاءه به مرة ثانية ؟ .
هامش
( 1 ) النويري ، نهاية الأرب ، الجزء السادس عشر ، ص 91 وما بعدها .