وجدوا فعلا بمكة عند ظهور الإسلام . وهم جماعة من الغرباء قدموا إليها لأسباب منها : الرق ، الاتجار ، التبشير ، واحتراف بعض الصناعات البدائية كصناعة السيوف والحدادة والنجارة . وكان بعض هؤلاء الغرباء ممن حصلوا على معارف وثقافة لا بأس بها ، وكانوا يقرءون ويكتبون ، فاستعملهم تجار قريش في ضبط بضاعتهم وتجارتهم ، وربما كان بعض منهم ملمّا بالكتب المقدسة القديمة ، وإلى هؤلاء نسب المستشرقون مصدر القرآن الكريم بحجة اختلاط النبي بهم ، واغترافه المعلومات من مصادرهم .
ونحن نجد أن قريشا قد سبقت المستشرقين في هذه الشبهة منذ أكثر من ألف عام حينما أشار القرآن إلى ذلك في الآية 103 من سورة النمل ، ورده المقنع عليهم بأن هذا الشخص أعجمي لا يحسن اللسان العربي الذي أنزل به القرآن .
ولو تتبعنا الروايات التي قيلت عن هذا الشخص لرأينا اضطرابها ، واختلافها هي الأخرى ، ودعنا نرجع إلى تفسير الطبري الذي يورد روايات متضاربة عن اسم هذا الشخص ، فتارة يدعى سلمان ، أو سيار ، وتارة يطلق عليه اسم جبر ، أو يعيش أو بلعام ، طبقا للأسانيد المختلفة « 1 » . بل إن قريشا لم تكتف باتهام الرسول باتصاله بهذا الشخص فقط ، ولكنهم ذكروا طائفة أخرى من هؤلاء الناس كان على علاقة بهم وذلك طبقا لما أورده القرآن بقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ
« 2 » . ويذهب المفسرون إلى أن هؤلاء الناس هم يعيش أو عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى ، وسيار مولى العلاء بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وآخرون كانوا كتابيين يقرءون التوراة أسلموا ، وكان الرسول يتعهدهم ، فقيل ما قيل « 3 » .
وأمّا من زعم من المستشرقين أن الرسول قد تلقى تعاليمه الدينية عن بحيرى الراهب ، فهو قول عار من الصحة هو الآخر . ذلك أنه لم يكن لهذا الراهب أثر في التاريخ لو لم يذكره مؤرخو السيرة النبوية . وأجمع هؤلاء المؤرخون على أن هذا الشخص هو راهب متبتل عاش في ديره على أطراف الجزيرة العربية مثل بقية زملائه الذين اتخذوا من هذه الأماكن القصية ملاذا لهم . وكان ديره يقع في طريق تجارة قريش إلى الشام ، وكثيرا ما تأوي هذه القوافل التجارية إلى ديره للراحة من وعثاء السفر ، فيضيفها ، ويزودها بالماء القراح . وذكر المؤرخون أن الرسول لما بلغ اثنتي عشرة سنة
هامش
( 1 ) الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء الرابع عشر ، ص 119 وما بعدها .
( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 4 .
( 3 ) الطبري ، تفسير ، الجزء الثامن عشر ، ص 137 وما بعدها .