تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
من المؤرخين ، لأدركنا الشك في هذه الروايات جميعا . إذ لا يعقل أن يكون ورقة أستاذا للنبي قبل مبعثه ، ثم يأتي إليه النبي بعد نزول الوحي عليه للمرة الأولى لاستشارته فيما حصل له من رؤيا ، ويتنبأ له ورقة بأن قومه طاردوه من مسقط رأسه ، وأنه لو يدرك ذلك الزمان فسينصره نصرا مؤزرا ، ويبقى ورقة على قيد الحياة سنين ، وتنتشر الدعوة الإسلامية رويدا رويدا ، ثم يموت دون أن يعتنقها . ثم كيف تستقيم هذه الرواية من أساسها إذا افترضنا أن ورقة هو الذي هيأ النبي للدعوة الإسلامية ، وأمده بمعارفه ومعلوماته لنشر دينه الجديد ، ثم يتنبأ له بأن قومه سوف يخرجونه من مكة . لأنه في هذه الحالة إمّا أن يكون قد قرأ صفة النبي ودعوته في الكتب المقدسة ، وهذا افتراض صحيح طالما أشار القرآن إلى وجود صفة النبي في الكتب اليهودية والمسيحية ، ولكن هذه المصادر لا تشير إلى ما سيحدث للنبي من فتنة مع قومه بعد بعثته فيكون تنبؤ ورقة بإخراج الرسول تزيّدا لا ندري كيف عرف به . يضاف إلى ذلك أن ورقة لو كان متأكدا من نبوة النبي ، وصدق رسالته ، وانطباق وصف الكتب المقدسة السابقة على القرآن عليه ، لآمن بدعوته ، وناصره نصرا مؤزرا ، ولكن معظم المصادر الإسلامية لم تؤكد إسلام ورقة سوى المسعودي كما ذكرنا . علما بأن « ابن كثير » في البداية والنهاية ذكر أنه عاش زمن البعثة ، وكان يمر بمكة فيرى بلالا وهو يعذب ، يعذبه المشركون برمضاء مكة ، يلصقون ظهره بالرمضاء ، ويضربونه يريدون منه أن يشرك باللّه ، ويأبى إلّا أن يقول : أحد أحد ، فيرثي ورقة لحاله ويقول : أحد أحد واللّه يا بلال . واللّه لئن قتلتموه فأنتم من الخاسرين ولأتخذنّ قبره حنانا « 1 » . وأخيرا لو سلمنا برواية اصطحاب خديجة الرسول لورقة بعد نزول الوحي عليه للمرة الأولى بحراء ، للتأكد من هذه الظاهرة التي حصلت له ، فإن الأمر لا يتعدى ما ذكرته هذه الرواية ، ولا يمتد إلى تتلمذ النبي عليه مدة خمس عشرة سنة قبل البعثة ، واستقاء معلوماته ومعارفه منه ، وإنما هو تخرص ، وضرب من القول لا يسنده دليل صحيح فتكون هذه المزاعم باطلة من أساسها . وإذا ما انتقلنا إلى تلك الروايات التي يرددها المستشرقون من أن الرسول قد استقى معلوماته من بعض اليهود والمسيحيين المقيمين بمكة ، فإننا نرد عليهم بأن اليهود وجدوا إبان تلك الحقبة في يثرب ، ولا وجود يذكر لهم بمكة . أما النصارى فقد
هامش
( 1 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، الجزء الأول ، ص 226 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 280 | ساسي سالم الحاج