تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
صحة شعر أمية ذاته ، خاصة أن الناقدين له أثبتوا أنه منحول متكلف نظم في العصر الإسلامي « 1 » . فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما ذهب إليه الدكتور « طه حسين » في معرض رده على شبهة « كليمان هوار » من أن هذا المستشرق وأمثاله يشكّون في صحة السيرة نفسها ، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود ، فلا يرون في السيرة مصدرا تاريخيا صحيحا ، وإنما هي - حسب قولهم - طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيقين فكيف يقفون من شعر أمية موقف المستيقن المطمئن ؟ « 2 » ، لأدركنا خطل هذا الرأي ، وعدم استناده إلى قاعدة علمية صحيحة ، وإنما هو تخرّص ، وافتراض واستنتاج لا سبيل إلى إثبات صحته . فإذا تركنا هذا الرأي الخطل ، وحللنا رأي من يقول بتأثر النبي بورقة بن نوفل الذي وصفه بعض المستشرقين من أن السر الكبير في ثقافة محمد الكتابية والإنجيلية ترجع إلى وجود هذا العالم المسيحي ، ابن عم السيدة خديجة ، وهو الذي زوجها إياه ، وأن الآثار قد أجمعت على أنه قد تنصّر ، وترجم التوراة والإنجيل إلى العربية ، وعاش محمد في جواره خمسة عشر عاما قبل مبعثه ، وبوساطته حصل على معظم معلوماته ومعارفه « 3 » ، لوجدنا أن هذه الرواية لا تستقيم وما أوردته المصادر الإسلامية التي أجمعت مع التفاسير المختلفة ، وكتب الأحاديث المعروفة ، أنه قرأ الكتب ، وعدّ من جملة المتنصرين ، ومات على دينها . وأشارت هذه المصادر جميعا إلى مجيء خديجة إليه رفقة النبي بعد نزول الوحي عليه بغار حراء ، وسؤاله عن رأيه فيما رآه ، وجواب ورقة عنه من تمنيه أن يكون حيا عندما يخرجه قومه لينصره نصرا مؤزرا ، ووصفه لما نزل عليه « بالناموس الأكبر » الذي نزل على من كان من قبله من الأنبياء . ولكن هذه الأخبار لم تذكر إسلام ورقة واعتناقه المبادئ الإسلامية باستثناء « المسعودي » الذي يزعم أنه مات مسلما ، وأنه مدح النبي « 4 » . وهي رواية ضعيفة انفرد بها وحده دون سواه
هامش
( 1 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، الجزء السادس ، ص 495 . ( 2 ) د . طه حسين ، في الأدب الجاهلي ، المجلد الأول ، دار العلم للملايين ، الطبعة الثالثة ، 1978 م ، ص 154 . ( 3 ) د . تهامي نقرة ، مناهج المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 37 . ( 4 ) المسعودي ، مروج الذهب ، الجزء الثاني ، ص 52 وما بعدها .