تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
نعم ، إن شعر أمية بن أبي الصلت مليء بالحكم والمواعظ الدينية ، وهي آراء قريبة جدا من الإسلام « 1 » . كما أنه مليء بقصص الأنبياء ، وبوصف يوم القيامة والجنة والنار ، ولكن كيف حدث التشابه بينه وبين القرآن الكريم ؟ . فهل تأثر أمية بالقرآن فأخذ عنه ؟ ، أو أخذ القرآن الكريم من أمية ؟ . أو أخذ الاثنان أمية والقرآن من مصدر ثالث وهو الكتاب المقدس بقسميه القديم والحديث ؟ . ومن هنا نكون أمام فروض ثلاثة يتحتم علينا تحليلها للبرهنة على هذا التشابه . أما عن الفرض الأول ، وهو تأثر أمية بالقرآن ، فإن الأمر يقتضي معرفة تواريخ شعر أمية ، وتعيين أوقات نظمه ، وحصر المدة الزمنية التي قال فيها شعره ، بحيث لا تتعدى السنة التاسعة للهجرة لوفاته خلالها انتهاء ، ولا تشمل الفترة السابقة للبعثة ابتداء ، ومن الصعوبة بمكان تحديد الشعر الذي قاله أمية قبل البعثة وإبانها حتى السنة التاسعة للهجرة ويصبح هذا الافتراض باطلا « 2 » . أما بالنسبة للافتراض الثاني ، وهو تأثر القرآن بشعر أمية ، فهو افتراض من الصعب اتباعه هو الآخر ، إذ لو كان الأمر كذلك لما سكتت عنه قريش ، وهم الذين اتهموه مرارا باستقاء معلوماته من غلام نصراني اسمه « جبر » والذي أشار إليه القرآن صراحة بقوله :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 3 » . أما الافتراض الثالث ، والقاضي بأخذ الاثنين أمية والقرآن من مصدر ثالث وهي الكتب اليهودية والمسيحية وتفسيرها فإنه يردّ عليه بنفس الحجة الداحضة للافتراض الثاني ، وهو عدم سكوت قريش على هذا ، وهم قد أجهدوا أنفسهم في تلمس مصادر النبي التي افترضوها في المسيحيين الموجودين بمكة ، ثم إن هذا التشابه ليس من نوع ما يحصل عن أخذ شخصين مستقلين من مورد معين ، وإنما هو من قبيل ما يحدث من اعتماد أحد الشخصين على الآخر ، بدليل ورود أمور في القرآن لم ترد في التوراة أو الإنجيل ، ولكنها وردت في شعر أمية ، يضاف إلى ذلك تلك الشكوك التي تحوم حول
هامش
( 1 ) د . جواد علي ، المفصل ، المرجع السابق ، الجزء السادس ص 489 . ( 2 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، ص 419 بتصرف شديد وأسلوب مغاير ، ولم نقتبس منه إلا الفكرة فقط . ( 3 ) سورة النحل ، الآية رقم 103 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 278 | ساسي سالم الحاج