تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
والختان وغير ذلك من شرائع الإسلام ، ورابعها أنها الإخلاص للّه وحده والإقرار بالربوبية والإذعان للعبودية « 1 » . إن عقيدة الحنفاء غامضة خاصة في ما يتعلق بوجود اللّه ووحدانيته ، وليس هناك كتاب معين يتبعون أحكامه ، كما أن تصرفاتهم يغلب عليها الطابع الخلقي أكثر من الطابع الديني . وقوم هذه هي عقائدهم المضطربة لا يمكن أن تكون أحكامهم وتصرفاتهم من المصادر الرئيسة للقرآن الكريم الذي يحتوي على تعاليم وأحكام واضحة ، جلية ، لا لبس فيها ولا غموض ، شرعت لتنظيم الإنسانية جمعاء في عباداتها ومعاملاتها . ولا يمكن الركون إلى آراء من اعتقد أن المجتمع العربي كان متدينا قبل الإسلام من خلال هذه الجماعة الغامضة ، ولا يمكن تصديق ما ذهب إليه « رينان
renan
» من أن الوحدانية كانت قائمة في الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول ، وأن ما جاء به محمد ليس إلّا امتدادا للحركة الدينية التي كانت سائدة في عصره ، وهي حركة الحنفاء . ذلك أن تعاليم وعقائد الحنفاء تتميز بالغموض والإبهام أولا ، وأنهم كانوا قليلي العدد بحيث لم يكن لهم ذلك التأثير الكبير على البيئات التي كانوا يعيشون فيها ثانيا . وأن بعضا منهم مثل « أبي عامر بن صيفي » المعروف بالراهب ، وأمية بن أبي الصلت ، قد قاوما الدعوة الإسلامية بالسيف والقلم إذ لو كانت عقائدهم مما تضمنه القرآن لما عارضوه ثالثا . وأما ادعاء « كليمان هوار وبور » من أن أحد مصادر القرآن الكريم هو شعر أمية بن أبي الصلت ، فهو ادعاء لا يسنده أساس علمي صحيح ، ولا يرتكز على قاعدة علمية لا يمكن دحضها . ذلك أنه لا يمكننا أن نستنتج صحة شعر هذا الشاعر لمجرد وجود فروق بين ما جاء فيه وما جاء في القرآن من تفصيل بعض القصص ، ولا ننتهي أبدا إلى تلك النتيجة التي أرادها هذا المستشرق من أن صحة شعر أمية يستلزم أن يكون النبي قد استعان به قليلا أو كثيرا في نظم القرآن ، كما أن صحة هذا الشعر واستعانة النبي به في نظم القرآن قد حملتا المسلمين على محاربة شعر أمية ومحوه ليستأثر القرآن بالجدة ، وليصح أن النبي قد انفرد بتلقي الوحي من السماء .
هامش
( 1 ) أ - الطبرسي ، مجمع البيان ، الجزء الأول ، ص 215 وما بعدها . ب - الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، الجزء الرابع ، ص 89 وما بعدها .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 277 | ساسي سالم الحاج