جاءت بالرسالة المحمدية للقضاء على الاستغلال ، والفساد والظلم بأشكاله وألوانه المختلفة . فهو قد هذّب مناسك الحج فألغى طواف العري ، وأزال الأصنام ، وهذّب الزواج ، فأبقى على النظام الصحيح الذي ينسجم والفطرة البشرية ، وألغى الفاسد منه الذي يؤدي إلى اختلاط الأنساب وزرع البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع . ونظّم الطلاق ، وسنّ تشريعات تحفظ حق المرأة في النفقة والحضانة . وهذه التشريعات جميعها سواء أكانت عبادات أم معاملات شرعت لتنظيم المجمع الإسلامي الذي يسعى إلى تحقيق المساواة والمحبة بين أفراد المجتمع البشري بكامله . ولا يمكننا التسليم من خلالها بشبهات المستشرقين من أن الإبقاء عليها وإقرارها يعني تشكيلها لمصادر القرآن الكريم والأحكام الإسلامية المنبثقة من مصادر التشريع الأخرى ، والتي استشفوا من خلالها بشرية القرآن الكريم وإنكار ألوهيته .
وأما ما ذهب إليه « كليمان هوار » وأصحابه من أن مصدر القرآن الكريم هو شعر أمية بن أبي الصلت ، أو استقاؤه من الحنيفيين الذين يؤمنون بإله واحد ، خاصة « ورقة بن نوفل » ، واتصاله قبل البعثة ببعض اليهود والنصارى الموجودين بمكة ، واقتباسه الكثير من أقوالهم ومعارفهم وقبل ذلك تردده على الراهب « بحيرى » وأضرابه من القساوسة المسيحيين الموجودين على أطراف الجزيرة العربية - الذين اعتزلوا الحياة في أديرتهم وكنائسهم ، وعاشوا حياة تقشفية بجوار الأعراب الذين حاولوا تنصيرهم - واطلاعه على معارفهم ومعلوماتهم والكتب المقدسة القديمة التي يبشرون لها ، فإننا نرى هذه الحجج لا تصمد أمام النقد العلمي الجاد .
وبيان ذلك أن الحنفاء ، وهم تلك العصبة من العرب التي لم تعبد الأصنام ، واعتقدت بوحدانية اللّه ، ولكن لم يستطع أحد من الباحثين ، القدماء منهم أو المحدثون ، أن يبيّن شرائعهم ، ويعرف معتقداتهم حق المعرفة . ولا يدري أحد تصورهم لخالق الكون ، والحياة بعد الموت . وذهب المفسرون المسلمون مذاهب شتى في تأصيل هؤلاء الناس ، وبيان عقائدهم ولم يجمعوا على رأي معين حولهم ، الأمر الذي زاد شأنهم غموضا ولبسا . وإن كان ملخص آرائهم لا يخرج عن أقوال أربعة أشار إليها « الرازي » في تفسيره الكبير و « الطبرسي » في بيانه ، وأول هذه الآراء أنها حج البيت ، عن ابن عباس والحسن ومجاهد . وثانيها أنها اتباع الحق ، عن مجاهد ، وثالثها أنها اتباع إبراهيم فيما أتى من الشريعة التي صار بها إماما للناس بعده من الحج
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 276
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٧٦