قانونية ، لاستعادة الرجل لزوجته بعد طلاقها مرات ثلاثا ، وهو تزويجها من رجل غريب ، ثم يطلقها فتعود إلى زوجها الأول . وقد استهجن الإسلام هذه الحيلة التي أطلق عليها مصطلح « المحلّل » ووصف فاعله بأوصاف مقذعة بالغة الدمامة ، وحرّمه تحريما أبديا لقول الرسول « لعن اللّه المحلّل والمحلّل له » « 1 » .
فإذا انتقلنا من الزواج والطلاق إلى الميراث ، وجدنا أن الإخباريين يزعمون أن أول من جعل للبنات نصيبا في الإرث من الجاهليين هو « ذو المجاسد » عامر بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر ، ورّث ماله لولده في الجاهلية ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، فوافق حكمه حكم الإسلام « 2 » .
هذه أمثلة تتعلق بالعبادات والمعاملات ، وجدت في الجاهلية فأقرّ الإسلام بعضها وألغى الآخر . ومن هذا الإقرار استند المستشرقون إلى أن النبي قد استقى معلوماته وأخباره ، وأحكامه المتمثلة في أوامره ونواهيه من هذه القوانين العرفية التي وجدها في بيئته ، فتأثر بها ، وضمّها إلى كتابه الذي ألفه ، وفي سننه وأحاديثه التي أذاعها على أصحابه وأصبحت جزءا رئيسا من تشريعاته .
ونحن لا ننكر وجود مثل هذه الأحكام والقوانين الناتجة عن أعراف الجاهليين في التشريع الإسلامي . ولا يضير الرسول الإبقاء على القوانين الصالحة سواء تلك المنظّمة للعبادات أو المعاملات ، طالما كانت هذه الأحكام تتناسب وفلسفة التشريع الإسلامي لتحقيق مقاصده التي أنزل من أجلها . ولا يمكن أن نستنتج من الإبقاء عليها تأثر الرسول بها باعتبارها أمورا استمدها من بيئته ولم يوح بها اللّه إليه في محكم كتابه .
ولو كان الأمر خلاف ذلك لأبقى على سائر القوانين والأعراف الجاهلية ، ولما حرم بعضا منها وأباح بعضها الآخر . ولكن التشريع يراعي دوما مصالح الناس والعباد التي شرعت الأحكام لمصلحتهم . فتبقى الأحكام الصالحة ، وتبطل الأحكام الفاسدة لتعارضها ومصلحة الجماعة .
إن الإسلام احتفظ بالعديد من أعراف الجاهليين وتشريعاتهم لأنها صالحة للتطبيق ، ولأنها ليست محل انتقاد من الجماعة ، ولأنها تحقق مصالح من شرعت هذه الأحكام لهم . ولأنه عندما ألغى الفاسد منها ، فإنه قد راعى هذه التعاليم الإلهية التي
هامش
( 1 ) السرخسي ، المبسوط ، الجزء الخامس ، ص 2 وما بعدها .
( 2 ) د . جواد علي ، المفصل ، المرجع السابق ، الجزء الخامس ، ص 565 .