تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وهذا المثال يتجلى فيه اتباع النبي لبعض شعائر الجاهليين ثم إبطاله له ، أو تركه اختيارا بعد أن تغيرت أحكام الصيام ومدته وشرائطه . ومن شعائر الجاهليين التي أقرها الإسلام الاختتان ، والاغتسال من الجنابة ، وتغسيل الموتى وتكفينهم . ولكن لو درسنا الحج والعمرة لوجدنا إبقاء الإسلام على بعض شعائرهما وإلغاء بعض منها لتناقضهما وأحكامه . فالطواف كان معروفا في الجاهلية ، وهو عندهم ركن من أركان الحج ، ومنسك من مناسكه . وعدده عندهم سبعة أشواط ، وكان الطائفون على صنفين : صنف يطوف عريان ، وصنف يطوف في ثيابه . ويعرف من يطوف بالبيت عريان « بالحلة » أما الذين يطوفون بثيابهم ، فيعرفون « بالحمس » « 1 » . وعندما جاء الإسلام أقر الطواف حول الكعبة بسبعة أشواط ، ومنع طواف العري ، وحتم على الجميع لبس الإحرام . أما بالنسبة إلى التلبية ، فإن الجاهليين كانوا يلبون إبان حجهم . وذكر اليعقوبي أن العرب إذا أرادت حج البيت الحرام ، وقفت كل قبيلة عند صنمها ، فصلوا عنده ، ثم لبّوا حتى يقدموا مكة ، فكانت تلبياتهم مختلفة « 2 » . فأبقى الإسلام على التلبية وإن كان قد تغير مضمونها طبقا لما نعرفه الآن من اقتصار التلبية على اللّه دون سواه . كان الجاهليون يطوفون بين الصفا والمروة ، ومنصوب عليهما صنمان هما أساف ونائلة ، وكانوا يطوفون بهما سبعة أشواط ، ووصف الإسلام مشي الحاج بين الصفا والمروة « بالسعي » « 3 » وأبقى على هذه الشعيرة . ومن مناسك الحج الجاهلي الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة ، ومن عرفة تكون الإفاضة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى . وهي نفس المناسك التي أبقى عليها الإسلام . ومن مناسك الحج وشعائره في الجاهلية « رمي الجمرات » وهي الجمرة الأولى ، والجمرة الوسطى ، وجمرة العقبة . وأبقى الإسلام على هذه الشعيرة أيضا . ولا زال الناس يتجشمون الصعاب للقيام بها نظرا للازدحام الشديد حولها . ونحن لا نرى لها تعليلا لأن أحكام اللّه في رأينا ليست قابلة جميعها للتعليل .
هامش
( 1 ) الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء الثاني ، ص 170 . ( 2 ) اليعقوبي ، أديان العرب ، الجزء الأول ، ص 225 وما بعدها . ( 3 ) الطبرسي ، مجمع البيان ، الجزء الثاني ، ص 45 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 273 | ساسي سالم الحاج