حتى اليوم في بعض القبائل العربية في فض المنازعات التي تقع بين أفرادها ، بل إن بعض مصطلحات العرف الجاهلي ما زالت باقية إلى الآن في العديد من الأصقاع العربية وهي أعراف صالحة أبقى عليها الإسلام ضمن ما أبقى من أعراف صالحة بعد أن ألغى الفاسدة منها .
وإذا تركنا العرف باعتباره المصدر الأول للفقه الجاهلي ، فإن التعاليم الدينية التي كانوا يؤمنون بها تؤلّف المصدر الثاني لفقههم ، ونقصد بها ما كان يدين به أكثر الجاهليين من شريعة التعبد للأوثان والتقرب إلى الأصنام ، فقد وضع سدنة المعابد والكهان أحكاما لأتباعهم على أنها أحكام ملزمة يكون مخالفها في حكم المخالف للعرف « 1 » .
بجانب العرف والأوامر الدينية تعتبر آراء أولي الأمر وأحكام ذوي الرأي والمكانة مصادر أخرى للفقه الجاهلي ، وهي الأوامر والتعليمات الصادرة عن ملوك وسادات ورؤساء القبائل العربية . وهم يحملون صفتي التشريع والتنفيذ ، وكثيرا ما تنظم هذه الأوامر الأمور التجارية . أمّا أحكام ذوي الرأي والمكانة فلها المكانة اللائقة في تنظيم أمور الجاهليين لما لهؤلاء الناس من رأي سديد ، ومقدرة عالية في استنباط الأحكام وفض المنازعات والخصومات .
ونحن لا نستطيع التعرض إلى الأحكام التي قررتها هذه المصادر مجتمعة ، ثم مقابلتها بالأحكام الإسلامية لاستنتاج التطابق والاختلاف بينها لأنه موضوع طويل يخرج عن مقصودنا ، ولكن لا بأس من إيراد نماذج منها لنرى مدى تأثر الإسلام ببعض هذه الأحكام ، ولنأخذ على سبيل المثال بعض الأحكام التعبدية وبعض المعاملات المتعلقة بالأحوال الشخصية .
يذكر الأخباريون أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء وأن النبي كان يصومه في الجاهلية أيضا ، وعندما هاجر إلى المدينة استمر في صيامه له ، وأمر أصحابه بذلك أيضا حتى أول السنة الثانية للهجرة ، وبعد أن فرض الصيام أصبح صوم يوم عاشوراء اختيارا .
هامش
( 1 ) د . جواد علي ، المطول في تاريخ العرب قبل الإسلام ، المصدر السابق ، الجزء الخامس ، ص 479 .