وألف « سيدرسكي
Siderskey
» كتابا أطلق عليه « أصول الأساطير الإسلامية في القرآن وفي سير الأنبياء » « 1 » حاول أن يرجع القصص القرآني إلى المصادر اليهودية والمسيحية وتناول قصة خلق آدم ، ونزوله من الجنة ، وقصة إبراهيم والتلمود ، وقصة يوسف ، وقصة موسى ، وقصة عيسى ، وقصص داود وسليمان . وحاول إرجاع كل آية قرآنية تناولت إحدى هذه القصص إلى كتاب « الأغاداه
Aggadah
» العبري والأناجيل المسيحية المختلفة . وقد استند في دراسته هذه إلى ما كان يذيعه المستشرق « كليمان هوار » من أن القرآن مستقى جميعه من المصادر اليهودية والمسيحية ، وأكد له في رسالة مرفقة بمقدمة هذا الكتاب أنه سيجد المصادر الحقيقية للقصص القرآني والتي استقى منها مخبر و « محمد » معلوماتهم .
ومن مجموع الآراء السابقة وغيرها التي لم نشر إليها نستنتج أن المستشرقين يرجعون مصدر القرآن إلى عاملين رئيسين أحدهما داخلي وهو مستمد من أعراف الجاهليين ودياناتهم ، ومن أوامر أولي الأمر ، ومن أحكام ذوي الرأي والمكانة العالية بين أقوامهم . والآخر خارجي وهو مستمد من تعاليم الديانتين اليهودية والمسيحية .
ويجب علينا في هذا البحث التوجه إلى مصادر الفقه الجاهلي ، حتى نعقد مقابلة علمية بينها وبين بعض التعاليم الإسلامية لنرى مدى التطابق والاختلاف بينهما ، ونحكم بالتالي على صحة دعاوى المستشرقين من عدمها . وإن كنا لا نتردد في القول منذ البداية من أن الإسلام قد استقى العديد من أعراف الجاهلية وتنظيماتهم الصالحة ، وألغى الفاسدة منها . وهذا الحكم لا يدل إطلاقا على بشرية القرآن الكريم لأن القضية أبعد من ذلك وأشد تعقيدا ، ذلك أن مصادر الفقه الجاهلي التي أرجعناها إلى العرف ، نقصد بها ما تعارف عليه الجاهليون من تصرفات ، استقرت في قلوبهم ، وتلقوها بالرضى والقبول ، وأصبح لزاما عليهم اتباعها ، والتقيد بأحكامها . وكان العرف الجاهلي هو المصدر الأساسي للتشريع في الجزيرة العربية ، كما كان مصدرا أساسيا للتشريع في أصقاع كثيرة من العالم ، ولا يزال للعرف هذه المكانة التشريعية حتى يوم الناس هذا ، وإن كان قد تقهقر مفسحا للتشريع المكانة الأولى في هذا المجال .
إن العرف الجاهلي هو الذي نظم العديد من المسائل التشريعية ، ولا يزال يطبق
هامش
( 1 )SiDERSKY ; Les origines des legendes musulmanes dans le Coran et dans les vies de prophetes , Paris , Paul Geuthner , 1933 , 161 pages .