بدأنا بترجمة القرآن حتى نسير من الناحية العلمية وفق منهج دقيق متتابع لدراستنا ، ذلك أن الترجمة هي التي فتحت للمستشرقين باب الطعن والشبهات على القرآن الكريم ، واقتضى الأمر منّا الإشارة إلى خصائص هذه التراجم وتأريخها ، وأهم صنّاعها حتى نسير في خطتنا التي - رسمناها في مقدمة بحثنا - بتسلسل للمواضيع يؤدي أولها إلى آخرها في تناسق مرتب ومنظم ينقل القارئ من فكرة إلى أخرى طبقا لمنهج علمي حاولنا أن يكون صارما قدر الإمكان .
وإذا كانت الترجمة الحرفية للقرآن الكريم مستحيلة ، فإن ترجمة معانيه وتفسيره ممكنة ، فلهذا سلك المستشرقون هذا السبيل ، ووصلوا من خلال هذه الترجمات إلى دراسة العديد من القضايا أهمها مصادر القرآن الكريم وهي الدراسة التي سنتناولها في المبحث المقبل ، فما مصادره طبقا لرؤيتهم يا ترى ؟ .
المبحث الثاني المستشرقون ومصادر القرآن الكريم
يؤمن المسلمون إيمانا مطلقا بأن مصدر القرآن هو اللّه سبحانه وتعالى ، الذي أنزله على النبي مدة البعثة ، وهذا الإيمان من الأمور التعبدية الاعتقادية التي لا مجال للشك فيها .
أما المستشرقون فهم لا يؤمنون بالمصدر الإلهي للقرآن الكريم ، وحاولوا أن يتلمسوا العديد من المصادر أجهدوا أنفسهم للحصول عليها وتبريرها لإرجاع مصادر القرآن إلى عدة عوامل داخلية وخارجية حاولوا البرهنة عليها ما استطاعوا فلم يفلحوا .
ويرى المستشرق المجري « جولدزيهر
Goldziher
» أن الرسول خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكارا أخذ يجترّها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته « 1 » . واختلطت هذه الأفكار بما يلاحظه من قساوة الحياة ، واضطهاد الفقراء ، وطغيان الأغنياء بمكة ، فتملكه شعور بأن اللّه يدعوه بقوة تزداد شيئا فشيئا ليذهب إلى قومه منذرا إياهم بما يؤدي بهم إلى ضلالهم
هامش
( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين ، دار الرائد العربي ، بيروت ، ص 7 ، بدون تاريخ .