تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
بل إنه لم يتيسر له ذلك فلا أقل من منع المسيحيين من اعتناق ديانة الإسلام بعد اطلاعهم على ما جاء في القرآن من مبادئ وأحكام لا تشجعهم على ذلك حسب نظره . فإذا ما انتقلنا من تلك الفترة المليئة بالتعصب ، والتي استخدمت فيها النصوص الدينية لمقارعة الإسلام بعد أن فشلت الوسائل العسكرية لمقارعته ، وتتبعنا خصائص وأهداف الترجمة القرآنية في الفترات اللاحقة لها لوجدنا استمرارية هذا الهدف أيضا . وبيان ذلك أنه عندما عجزت الحروب الصليبية عن تحقيق مآربها للقضاء على العالم الإسلامي وديانته اتجه المفكرون الغربيون إلى وسائل أخرى ثقافية منها نشر التبشير المسيحي بين ربوع العالم الإسلامي . وهذا التبشير يقتضي بداهة تعلم لغة وكتب وفلسفة الأقوام المراد نشر المسيحية بين ربوعهم ، ولا يتأتى هذا العمل إلّا إذا حذق المبشر اللغة العربية ، واطلع على التعاليم والمبادئ والأحكام الإسلامية من خلال كتابه المقدس . ومن هنا كانت ترجمة القرآن الكريم التي قام بها أولئك الأقوام لتحقيق هذه المرامي والأهداف . واستمرت هذه النظرية سارية المفعول إلى حين انتشار المدّ الأوروبي وسريانه على العالم الإسلامي إبان فترة الاستعمار الأوروبي الغربي الحديث . وقد التجأ الباحثون الغربيون إلى ترجمة القرآن الكريم في هذه المرحلة لتحطيم معنويات الشعوب الإسلامية ، وكسر معتقداتها ، والطعن في مقدساتها وذلك من خلال الشبهات التي يحاولون استخراجها من القرآن الكريم ، ومن هنا جاءت تلك المطاعن عليه والتي تتناول مصادره ، وكيفية جمعه ، والتشكيك في الوحي المنزل عليه وغيرها من الشبهات التي سنتناولها في مقبل المباحث . وإذا ما تقدمنا قليلا في مجال بيان خصائص ترجمة معاني القرآن الكريم بعد أن عرفنا المرامي والأهداف التي سعي إلى تحقيقها ؛ لوجدنا أنه قد استحال على هؤلاء المترجمين إيراد ترجمة وافية وكاملة للقرآن الكريم . لأن ترجمة القرآن الوافية والكاملة تتطلب معرفة جميع معاني القرآن الأوليّة والثانوية . ونقصد بالمعاني الأولية ما يستفاد من ألفاظ القرآن وما يفهم من تلك الألفاظ ابتداء ، ولا يختلف أحد في فهمه ، أمّا المعاني الثانوية للقرآن فهو ما يستفاد من الكلام زائدا على معناه الأولي ، وهذا المعنى يتغير بتغير التوابع ، فيختلف باختلاف أحوال المخاطبين وقدرتهم على الفهم ، والاستنباط ، ومن الاستحالة ترجمة القرآن الكريم بمعانيه الأولية والثانوية لأنها مناط بلاغته وإعجازه أسلوبا ومعنى ، ويستحيل على المترجم بلوغ مرامه في هذا الصدد لعدم قدرة محاكاة القرآن على نقل تلك المعاني إلى لغة المترجم الأصلية . ومن هنا