بل إنه لم يتيسر له ذلك فلا أقل من منع المسيحيين من اعتناق ديانة الإسلام بعد اطلاعهم على ما جاء في القرآن من مبادئ وأحكام لا تشجعهم على ذلك حسب نظره .
فإذا ما انتقلنا من تلك الفترة المليئة بالتعصب ، والتي استخدمت فيها النصوص الدينية لمقارعة الإسلام بعد أن فشلت الوسائل العسكرية لمقارعته ، وتتبعنا خصائص وأهداف الترجمة القرآنية في الفترات اللاحقة لها لوجدنا استمرارية هذا الهدف أيضا .
وبيان ذلك أنه عندما عجزت الحروب الصليبية عن تحقيق مآربها للقضاء على العالم الإسلامي وديانته اتجه المفكرون الغربيون إلى وسائل أخرى ثقافية منها نشر التبشير المسيحي بين ربوع العالم الإسلامي . وهذا التبشير يقتضي بداهة تعلم لغة وكتب وفلسفة الأقوام المراد نشر المسيحية بين ربوعهم ، ولا يتأتى هذا العمل إلّا إذا حذق المبشر اللغة العربية ، واطلع على التعاليم والمبادئ والأحكام الإسلامية من خلال كتابه المقدس . ومن هنا كانت ترجمة القرآن الكريم التي قام بها أولئك الأقوام لتحقيق هذه المرامي والأهداف . واستمرت هذه النظرية سارية المفعول إلى حين انتشار المدّ الأوروبي وسريانه على العالم الإسلامي إبان فترة الاستعمار الأوروبي الغربي الحديث . وقد التجأ الباحثون الغربيون إلى ترجمة القرآن الكريم في هذه المرحلة لتحطيم معنويات الشعوب الإسلامية ، وكسر معتقداتها ، والطعن في مقدساتها وذلك من خلال الشبهات التي يحاولون استخراجها من القرآن الكريم ، ومن هنا جاءت تلك المطاعن عليه والتي تتناول مصادره ، وكيفية جمعه ، والتشكيك في الوحي المنزل عليه وغيرها من الشبهات التي سنتناولها في مقبل المباحث .
وإذا ما تقدمنا قليلا في مجال بيان خصائص ترجمة معاني القرآن الكريم بعد أن عرفنا المرامي والأهداف التي سعي إلى تحقيقها ؛ لوجدنا أنه قد استحال على هؤلاء المترجمين إيراد ترجمة وافية وكاملة للقرآن الكريم . لأن ترجمة القرآن الوافية والكاملة تتطلب معرفة جميع معاني القرآن الأوليّة والثانوية . ونقصد بالمعاني الأولية ما يستفاد من ألفاظ القرآن وما يفهم من تلك الألفاظ ابتداء ، ولا يختلف أحد في فهمه ، أمّا المعاني الثانوية للقرآن فهو ما يستفاد من الكلام زائدا على معناه الأولي ، وهذا المعنى يتغير بتغير التوابع ، فيختلف باختلاف أحوال المخاطبين وقدرتهم على الفهم ، والاستنباط ، ومن الاستحالة ترجمة القرآن الكريم بمعانيه الأولية والثانوية لأنها مناط بلاغته وإعجازه أسلوبا ومعنى ، ويستحيل على المترجم بلوغ مرامه في هذا الصدد لعدم قدرة محاكاة القرآن على نقل تلك المعاني إلى لغة المترجم الأصلية . ومن هنا
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 264
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٦٤