تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
والإبهام الذي يشوب هذه الترجمات ويجعلها بعيدة عن الكمال « 1 » . هناك خاصية أخرى للقرآن الكريم يستحيل وجودها مترجمة ترجمة كاملة ، وهي أن الكثير من أساليبه لم يجر على الحقيقة ، وإنما المراد به المجاز . والأسلوب المجازي للعديد من الآيات القرآنية وصوره المتباينة تجعل من ترجمته أمرا عسيرا ، لأن صور المجاز تختلف في اللغات ، والمترجمون ينقلون ظواهر الكلام إلى لغاتهم ، ويغفلون عادة عن بواطنه بل ويجهلونها في الغالب الأعم ، فتستحيل بذلك تلك الترجمة الدقيقة ، بل وتأتي مبتسرة وخارجة عن المفهوم العام للأصل بل وتناقضه أحيانا . وخلاصة القول : إن الصعوبات الناجمة عن ترجمة القرآن الكريم بحرفيته إلى اللغات الأجنبية تتحدد في إعجازه اللفظي بحيث يستحيل معه ترجمته اللّهم إلّا إذا اقتصرت هذه الترجمة على معناه وتفسيره ، كما أن الترجمة تفقد القرآن روعة نظمه ، وبلاغة أسلوبه ، وحلاوته وطلاوته التي تؤثر في النفوس أبلغ تأثير ، كما تشتمل هذه الترجمة على تأويلات وتفسيرات لبعض العبارات والألفاظ ينأى بها عن معناها الصحيح فتأتي مناقضة للمقصود . ولكن لترجمة القرآن من قبل المستشرقين آثارا بعيدة المدى ، شديدة الخطر ، بالغة الدقة من أهمها أن هناك أقواما وشعوبا اطلعوا على هذه الترجمات ، واستنبطوا منها ما شاءوا من نتائج دينية وعلمية بعيدة الخطر ، فمن خلال هذه الترجمات اطلعوا على مبادئ الإسلام وأحكامه ، فدرسوها ، وحاولوا معارضتها ومناقضتها بل وتسفيهها . ومن خلال هذه الترجمات وقف العديد منهم حياته وأفناها على دراسة الإسلام وتراثه وحضارته وتاريخه . ومن خلال هذه الترجمات اطلعوا على عقليات الشعوب الشرقية ، درسوا أحوالها ، وتتبعوا طبائعها ، وبينوا خصائصها ، تمهيدا للاستيلاء عليها واستعمارها . ومن خلال هذه الترجمات أورد المستشرقون تلك الشبهات التي وصفوا بها الإسلام وكتابه المقدس ، فمنها حكموا على أنه ليس كلام اللّه ولكنه من صنع البشر ، ومن خلالها تلمسوا له مصادر داخلية وخارجية ، ومن خلالها أنكروا إعجازه وعدم انتظام أسلوبه وقوة بلاغته وهي مباحث سنتعرض لها في مقبل دراستنا . ولقد
هامش
( 1 ) انظر في هذا الصدد النماذج التي أوردها الدكتور محمد صالح البنداق في كتابه « المستشرقون وترجمة القرآن الكريم » منشورات دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1980 م .