الكريمة
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
« 1 » عندما قال لم يبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للعرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس أجمعين ، بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم يكن للعرب حجة على اللّه لفهمهم القرآن بلغتهم ، فلغيرهم من الأعاجم الحجة ، قلت : لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو واحد منها ، ولا حاجة لنزوله بجميع الألسنة ، لأن الترجمة تنوب عن ذلك ، وتكفي التطويل ، فبقي أن ينزل بلسان واحد ، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول ، لأنهم أقرب إليه ، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه كما نرى الحال ، ونشاهدها في كل أمة من أمم العجم » « 2 » .
ونحن لا نناقش في هذا المبحث إباحة ترجمة القرآن أو منعه ، لأننا مقيدون بدراسته من حيث عمل المستشرقين فيه ، ولكننا نقر ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية ، ونحث عليها ، ونطالب القادرين عليها بالقيام بها لما لهذا العمل من فوائد جمّة تؤدي إلى انتشار كتاب اللّه فيهتدي به أقوام ، ويطّلع على معانيه وبلاغته وأحكامه آخرون .
والذي يهمنا في هذا المبحث الإشارة إلى خصائص ترجمة القرآن الكريم من قبل المستشرقين بعد أن أشرنا إلى الترجمات الهامة التي دبّجت حوله باللغات الغربية الهامة . فنلاحظ أن الغرض العام الذي حاول المستشرقون الوصول إليه من هذه الترجمة ، هو تحقيق أهداف دينية صرفة ، ذلك أن « بطرس المبجل » الذي أشرف ورعى الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم قصد من وراء ذلك اطلاع علماء الغرب ومثقفيه على الكتاب المقدس الإسلامي ، حتى يتمكنوا من معارضته ، ودحض أحكامه ، واختلاق الثغرات في بنائه المتكامل المحكم ، والافتئات على بلاغته المعجزة ، والدسّ فيه بما يخدم مقاصدهم الخسيسة . ومن هنا جاءت تلك الترجمة مبتسرة ، ومغيّرة للعديد من معاني الآيات وأحكامها وصدرت وذيلت بتعليقات وانتقادات متحيزة وأشار « بطرس المبجل » صراحة إلى أن مشروعه هذا لم ينل القبول والرضا من أقرانه ، إلّا أنه حاول الدفاع عن فكرته ، وبيان الغرض الذي سعى إلى تحقيقه ، وهو الاطلاع على أفكار الخصوم ودراستها ، لبيان سذاجتها ومقارعتها بالدليل والبرهان الذي يناقضها ،
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 14 .
( 2 ) الزمخشري ، تفسير الكشاف ، جزء 2 ، طبعة البابي الحلبي ، ص 366 .