تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وتأصيل مفهوم الاستشراق ، وبيان تطوره ، والمجالات التي عالجها ، والأصقاع الجغرافية التي تناولها . كما تطرقنا في تلك الدراسة إلى تحديد مفهوم « الشرق » الذي كان المجال الجغرافي الفسيح لدراسات وأبحاث المستشرقين ، والذي يشمل الشرق اعتبارا من نهر الدانوب غربا إلى اليابان شرقا ، ومن منطقة شمال إفريقيا شمالا إلى وسط القارة الإفريقية والبحر العربي وجزر إندونيسيا جنوبا . ونظرا للتقدم الحضاري والثقافي ، واتساع مجالات البحث والدراسة والتقصي ، فإن مصطلح « الاستشراق » أصبح غير كاف . ذلك أن المتخصصين في دراسة المسائل الشرقية لا ينتمون إلى فرع دراسي واحد ، بل أصبحوا ينتمون إلى فروع متعددة من العلوم والمعارف ، كما أن المجالات الجغرافية التي يتناولونها أصبحت تشمل الحضارات الهندية والصينية واليابانية الأصيلة البنيان ، المتعددة الأركان ، وأصبح هؤلاء الدارسون يوصفون بالمتخصصين في الدراسات العربية
Arabisants
، أو الصينية
Sinologues
، أو الهندية
Indianlogues
. ومن هنا كان المصطلح الذي يطلق على هؤلاء الباحثين يكون مشتقا من اسم الإقليم الجغرافي الذي يدرسونه ويتخصصون في سبر أغواره ، والكشف عن أحواله وحضاراته ولغاته وثقافاته . إن التحول الطارئ على مصطلح « المستشرق » إلى مصطلح الإقليم الذي يتناوله الدارس أنتج لنا مصطلحا جديدا بالنسبة لمنطقتنا أطلق عليه الباحثون اسم « المستعرب »
arabisant
، والذي يعني في مجمله ، ذلك المتخصص الباحث في لغة وتاريخ وثقافة منطقة جغرافية هي المنطقة العربية ، ويصدق نفس التحليل على من يقوم بدراسة مماثلة لشعوب أخرى كالإيرانية ، والتركية ، والهندية ، والصينية واليابانية ، بل حتى الإغريقية والجرمانية والإسبانية وغيرها ، فيوصف المتخصص في دراسة هذه الأقاليم باسم الإقليم الذي يقوم بدراسته وبحثه في مناحي حضارته . إن كلمة « المستعرب » أخذت تحل شيئا فشيئا بدلا من كلمة « المستشرق » وبذلك أصبحت الأخيرة تفقد مفهومها اللغوي والعلمي ، ومن هنا كان قولنا : إن الاستشراق قد أصبح على وشك الزوال . إلّا أننا لسنا من السذاجة للاكتفاء بهذا التحليل الجانبي المقتضب حتى نحكم على هذه الظاهرة الثقافية بالزوال بمجرد الاستغناء عن كلمة « المستشرق » واستبدالها بكلمة « المستعرب » أو غيرها من المصطلحات المشتقة من الأقاليم الجغرافية