ومن هذه الاستنتاجات والتحليلات يظهر لنا الغموض والإبهام الذي يشوب تحديد هذه المصطلحات والميادين التي تعالجها طوال التاريخ .
وإذا ما انتقلنا من ميدان « المستشرق » و « الاستشراق » إلى الأصقاع الجغرافية التي تشمل دراسة هؤلاء الناس فإننا سنواجه أيضا بالغموض والإبهام لتحديدها . ذلك أن « الشرق » يعني بالنسبة لهؤلاء العلماء المتخصصين في دراسة مجالاته المختلفة : تلك المنطقة الجغرافية الممتدة من حوض الدانوب بأوروبا إلى بحر اليابان في آسيا ، كما يشمل منطقة كبيرة من قارة إفريقيا . ومن هنا نفهم النّطاق الجغرافي الواسع الذي تتضمنه الدراسات الاستشراقية نظرا لتعدد الشعوب والأقاليم والأجناس والثقافات التي تشملها . غير أن العوامل الجغرافية لا تساعدنا على تحديد المجال المكاني للدراسات الاستشراقية ، ومن هنا فإن الأمر يقتضي منّا تحديد مصطلح « الشرق » حتى نفهم هذا المجال الجغرافي الذي شملته الدراسات الاستشراقية .
إن أول ما يتبادر إلى أذهاننا حول كلمة « الشرق » يعني كل ما هو ليس غريبا ، ولكن هذا التحديد لا يستند إلى العوامل الجغرافية ، وحركة الشمس والنجوم بقدر ما يستند إلى العوامل الإيديولوجية .
ذلك أن الشرق والغرب لا يمكن تحديدهما من خلال حركة الشمس وموقع أحدهما غربي الآخر ، لأن العوامل الدينية هي التي ساعدت منذ البداية على هذا التحديد المرتكز على أسس وقواعد إيديولوجية ساهمت مساهمة فعالة في تحديد خصائص كل منطقة جغرافية على حدة . فالعالم الغربي تسوده التعاليم المسيحية ، والعالم الشرقي تسوده الديانة الإسلامية والديانات الأخرى شبه السماوية والوثنية ، وهذا التقسيم عززته صيحات الحروب الصليبية من جهة ، كما عززه تقسيم الشريعة الإسلامية للعالم إلى « دار الإسلام » و « دار الحرب » من جهة أخرى .
لقد حاولنا في الباب الأول من كتابنا « الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية » تتبع العلاقات التاريخية والثقافية بين الشرق والغرب منذ أزمنة موغلة في القدم ، حيث وصفنا تلك العلاقة بين الشرق والغرب أولا ، ثم بين الإسلام والمسيحية ثانيا ، ثم بين أوروبا الغربية والشرق الأوسط ثالثا ، ثم بين الغرب والشرق بصفة عامة رابعا . وكان غرضنا من الإسهاب في هذا الموضوع ، وتتبع مساراته التاريخية والإيديولوجية والثقافية إظهار العلاقة بين الشرق والغرب قديما وحديثا لتأسيس
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 244
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٤٤