تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
ووصلنا إلى نتيجة علمية مفادها زوال هذه الظاهرة العلمية وذلك بزوال صنّاعها ومجالاتها والأهداف التي سعت إلى تحقيقها . إلّا أن هذه النتيجة لم يوافقنا عليها العديد من الباحثين الذين يرون أن الاستشراق لا يزال قويا وفعّالا ولكنه تغيّر وتعدّل بفعل التطورات في جميع الميادين . ونحن لا نمتلك للأسف الشديد الحجج والأدلة العلمية التي تعزز الرأي المناقض لنا ، ولم نطلع - بالرغم من البحث والتحري المضنيين - على ما يساند هذا الرأي الذي نحترم وجاهته . ولكننا نعتقد أن هذا النوع من الدراسات سيبقى دوما مجالا رحبا للاختلاف والتضارب في الآراء . لأن الاستشراق قد اصطبغ بهذه الميزة منذ نشأته وإلى يوم الناس هذا ، ونادرا ما تجد توافقا في الآراء حول أصوله ، وأهدافه ، ومجالاته ، ومناهجه ، ومن هنا كان اعتقادنا الحازم بانتهاء هذه الظاهرة طبقا للمناهج والمفاهيم والمجالات التي كانت ترتادها وتطبقها . نعم لا تزال الجامعات الغربية تعج بالكراسي والأقسام التي تدرس اللغات والحضارات الشرقية ، ولا يزال هناك متخصصون في هذه المجالات والأبحاث ، ولا يزال الآلاف من الطلبة الشرقيين والغربيين يرتادون هذه المنابر ، ولكن طبيعة الأبحاث والدراسات والمناهج والتكوين العلمي والذهني للأساتذة والطلبة مختلف جدا عما كان عليه في سابق الأزمان . لقد نوّهنا آنفا بأولئك المتخصصين حاليا في الدراسات الشرقية ، وذكرنا أن مباحثهم لا تتعدى تلك التقارير التي تدبج لرؤسائهم في وزارات خارجية البلدان الغربية ، وفي مقار الشركات النفطية والشركات المتعددة الجنسيات ، واستنتجنا اختلاف وتكوين وتأصيل ونوعية دراسة هؤلاء الناس مع من سبقهم ممن أطلق عليهم بحق اسم « المستشرقين » . إنه لا يكفي القول ببقاء الدراسات الاستشراقية على زخمها وتعددها ومجالاتها كما كانت في السابق بمجرد وجود كراس للدراسات الشرقية في الجامعات الغربية والأمريكية ، أو بمجرد وجود خبراء في السياسة والاقتصاد يهتمون بالشرق ، أو بمجرد صدور بعض المجلات المتخصصة في المسائل الشرقية ، لأن الاستشراق القديم قد ذهب بلا رجعة بصنّاعه ، ومجالاته ، وأهدافه ، وأدواته ، بل إننا نجزم أن المجال الاستشراقي نفسه قد ضاق وانقضى ونضب معينه ، ولم يعد له من جديد يمكن تقديمه .