تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
إن الإجابة عن السؤال الآنف بيانه يقتضي منّا طرح تساؤلات أخرى تكون ردودها إجابات حاسمة له وهي : ما الاستشراق بداية ؟ . وما ذا يعني هذا المصطلح قبل أن يصاب بالتلوث الثقافي ويصبح من الكلمات الممقوتة التي ينظر إليها منذ الوهلة الأولى على أنّها سيطرة الغرب على الشرق ؟ . نعم لقد حاولنا في الباب الأول الإجابة عن هذه التساؤلات ، ولكنها جميعا لا تزال غير مقنعة ، وتقتضي منّا مراجعة علمية وصولا إلى النتيجة التي نبتغي تحقيقها من وراء هذه الدراسة . استعمل مصطلح « الاستشراق » في الماضي لمعنيين محددين ، أولهما يتعلق بمدرسة غربية فنّية متخصصة في النحت والرسم ، قام نحاتوها ورسّاموها بالإقامة في الشرق وإفريقيا الشمالية ، ورسموا لوحات خيالية عن هذه الأصقاع تمتاز بالإثارة والتشويق والرومانسية ، وثانيهما يعني فرعا من الدراسة المتخصصة في الشرق ، وقد بدأت هذه الدراسة منذ عصر النهضة الأوروبية وإبان اتساع العلوم والمعارف في أوروبا الغربية « 1 » . كان المستشرقون الأوائل متخصصين بالدراسات اللغوية كالعبرية ، والعربية ، والآرامية ، والقتبانية ، والسريانية ، وكانوا يعتنون بنشر التراث الشرقي ودراسته وشرح نصوصه ، ثم تطورت هذه الدراسة إلى مجالات وميادين أخرى أكثر جدية وصرامة ، كالفلسفة واللاهوت ، والآداب ، والتاريخ ، وهكذا كان مصطلح الاستشراق في ذلك الأوان لا يمتاز بالغموض وعدم الدقة كما هو الحال الآن . كما أن النطاق الجغرافي الذي يتناوله لا يتعدى منطقة الشرق الأدنى إلى غيرها من أصقاع الشرق الأخرى التي أصبحت بدورها مثار اهتمام الأوروبيين مهما كانت الأغراض والأهداف التي حاولوا تحقيقها من خلال هذه الدراسات . ومنذ عام 1838 م أصبح مصطلح الاستشراق يطلق على الدراسات اللغوية ، والثقافية ، والتاريخية ، والحضارية لشعوب الشرق الممتدة من شواطئ البحر المتوسط حتى بحر اليابان ، أي إنه يشمل قارة آسيا تقريبا بكاملها . أما العالم الذي ينذر نفسه لهذه الدراسة ويفني حياته فيها فإنه يطلق عليه اسم « مستشرق » .
هامش
( 1 )Bernard Lewis , Le retour de L'islam ; Gallimard , S . D . p . 294 .