والسياسية ، والعلمية التي مرّت بها ، واختلاف الناس حولها بين مؤيد لمناهج صنّاعها وبين معارض لها ، وما تخلقه من حساسية مفرطة في مجال العقيدة الدينية تجعل من تناولها أمرا صعبا وشاقا وعسيرا . وكثيرا ما يخضعنا سياق البحث والتقصي لنرد العديد من آراء المستشرقين التي لا توافق معتقداتنا ومبادئنا ، ولكننا ملزمون بالإشارة إليها حتى ندرسها أولا ، ثم نفهمها ثانيا ، ثم نرد عليها بما لدينا من أدوات الحجة والإقناع ثالثا .
رأينا أن الاستشراق لا يمكن تصنيفه ضمن العلوم الإنسانية المحددة المعالم ، والتي يمكن أن نطبق عليها المقاييس العلمية الصحيحة لوضعها في إطارها العلمي الصحيح ، وحاولنا نبذ مفهوم التعريفات التي نوردها على تحديد أي علم من العلوم ، وناقشنا الحجج والبراهين المنطقية التي تساعدنا على نبذ هذه التعاريف التي لا تؤدي مطلقا إلى ما يهدف إليه أي تعريف كان من الجمع والمنع والإحاطة والشمول ، واخترنا لأنفسنا معالجة هذا الموضوع من خلال بيان مفاهيمه المختلفة ، والآراء التي قيلت عنه سواء أكانت سلبية أم إيجابية ، ثم انتقلنا إلى المراحل التي مرّ بها الاستشراق ، وتوصلنا من خلال دراستها إلى أن التبشير هو النواة الحقيقية للاستشراق ، ولم يكن العكس صحيحا كما ذهب أغلب المؤلفين والكتّاب ، واستطعنا البرهنة من الناحية التاريخية والواقعية على استخدام الاستشراق لتحقيق أهداف التبشير ، ثم عرضنا للمرحلة العسكرية للاستشراق ، وهي المرحلة التاريخية التي مرّت بها الحروب الصليبية . وقيام تلك العلاقة الثقافية والاجتماعية بين الشرق والغرب والتي استفادت منها الدراسات الاستشراقية فائدة كبيرة خاصة في مجال الاطلاع على الكنوز الثقافية الشرقية ونقلها إلى الغرب ، وما تلاها من إنشاء مراكز علمية متعددة عكفت على دراسة هذا التراث ، واستخلاص النتائج العلمية الباهرة منه ، وقيام جيل من الباحثين والمتخصصين وقفوا حياتهم على دراسة اللغة العربية والآداب والحضارة الإسلامية ، وهؤلاء الباحثون هم نواة المستشرقين الذين قام على أكتافهم ما نطلق عليه بالاستشراق . وبعد هذه المرحلة العسكرية انتقلنا إلى مرحلة الاستشراق السياسي والاستعماري ، وأسهبنا في تأصيله ، وبيان دوافعه ، والأدوات المستخدمة لتحقيق أغراضه ، وبرهنا بالحجة والبيان على استخدام الاستشراق في تكريس استعمار الغرب الأوروبي للشرق الإسلامي ، وما نجم عنه من آثار ثقافية وحضارية واستعمارية لا نزال نعاني من آثارها إلى يوم الناس هذا .
وركّزنا بصورة رئيسة على دور الرّحالة والقناصل والسفراء في التمهيد لاستعمار
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 226
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٢٦