تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
عقر داره خامسا ، إلى مقاومة الإسلام لتلك الحملات الصليبية سادسا ، إلى تعقد العلاقات من جديد بين أوروبا والشرق وبروز ظاهرة الاستعمار سابعا ، إلى بيان الآثار الثقافية والحضارية الناجمة عن هذه العلاقات عبر العصور ثامنا ، هذه العلاقات التي أنتجت لنا « الظاهرة الاستشراقية » هي التي حاولنا تأصيلها وبيان مراحلها ، وتتبع مجالاتها ، وتعيين خصائصها ومضامينها ، والتطرق إلى مناهج صنّاعها . كل ذلك في تسلسل وسرد للحوادث متناسقة ، وبأسلوب علمي خال من بهرجة الألفاظ أو انعكاس للعواطف الشخصية . إن الكلمة الأخيرة التي يمكن تسجيلها في هذه الخاتمة هي أن معرفة الشرق ، ودراسته من الناحية العلمية لم يكونا وليدي الساعة ، ولكنهما بدا علميا منذ نهاية القرن الثامن عشر ، بل إننا رأينا آثارهما قبل ذلك التاريخ بزمن طويل . كما لاحظنا تعدد أغراض هذه الدراسة ، وشموليتها بحيث لا يمكن للباحث حصرها مهما تجشم من صعاب . إلّا أن الاستشراق قد أصبح في الوقت الحاضر مقصورا على مجالات محددة ، خاصة بعد ظهور القومية العربية ، وظهور حركات التحرير الوطنية ، والانتهاء من دراسة فقه اللغة والآثار الإسلامية والشرقية ، وهذه التطورات العميقة التي قلبت الشرق جعلت من الغربيين ينظرون إليه نظرة تختلف عمّا سطره أسلافهم ، وأخذوا يعالجونه من وجهة نظر تاريخية واجتماعية . كما حاولوا سلوك الموضوعية العلمية بقدر الإمكان ، وغابت إلى الأبد تلك الأفكار التعصبية الناعتة للإسلام ونبيّه وعاداته بأقذع الأوصاف ، وأصبحت المعالجة تتسم بالموضوعية والعلمية ، ومع ذلك فإن هذا الحكم لا يمكن إطلاقه على علّاته ، فلا تزال هناك أصوات تتسم بالتعصب والهوى والبعد عن الموضوعية ، فهذا « برنارد لويس
lewes
» لا يزال يدرس الكثير من الأفكار الصهيونية في الجامعات الأمريكية ومروجا لها بين الأوساط العلمية خاصة أنه قد تخرج على يديه المئات من الطلبة العرب والمسلمين . وقد استشاط غضبا من كتاب « إدوارد سعيد » الذي هاجم فيه الظاهرة الاستشراقية هجوما عنيفا ، ووصفها بأنها عبارة عن احتواء الغرب للشرق ، وحاول « لويس » في رده النقدي على ذلك الكتاب أن يعدد مساوئ الاستشراق الحالي ، ويبين نقاط الضعف فيه ، ولكنه أنكر جملة وتفصيلا الأفكار الواردة في كتاب « سعيد » واصفا إياه بعدم الموضوعية ، وعدم اتسامه ب « العلمية » . إن مصطلح « العلمية » يعني الموضوعية المطلقة ، والحياد الكامل في دراسة
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 229 | ساسي سالم الحاج