جديد ، وحوّله إلى فكر إسلامي خالص لا علاقة بالمؤثرات الخارجية عليه ، وهي المؤثرات التي أجمع المستشرقون كافة على أنها العنصر الأساسي الذي تكونت منه الحضارة الإسلامية ، وهي كما ترى نتيجة مبتسرة لا تتفق والموضوعية العلمية الصحيحة . نعم لقد اختلطت الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى المجاورة ، وأثرت فيها وتأثرت بها ، إلّا أن عوامل التفاعل الثقافي قد أنتجت لنا حضارة صحيحة خالية من المؤثرات الخارجية بعد عملية « التمثل والاستيعاب » . فالفلسفة الإسلامية التي يعتبرها المستشرقون فرعا من الفلسفة اليونانية قد نبعت حقيقة من صميم البيئة الإسلامية وأنه بعد تأصيل وانتشار علوم القرآن والحديث نشأ علم إسلامي خالص هو « علم أصول الفقه » الذي أسسه الإمام « الشافعي » ، الذي كان معارضا شرسا للفلسفة اليونانية والعلوم الكلامية ، وقد قدّم هذا الإمام العظيم منهجا علميا إسلاميا خالصا يتيح للباحث استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وهو اتجاه علمي وعقلي لم يهتم بالفروع والجزئيات ، ولكنه عني بالقضايا الكلية الشاملة ليستنبط منها الباحث الأحكام الجزئية ، وهو منهج كان أساسا للمنهج الاستقرائي التجريبي الذي نسب ظلما وزورا ل « روجر بيكون » البريطاني عندما وصف بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوروبي في القرن الثالث عشر . ومن هنا فإن « المنهج الاستقرائي » هو المعبّر عن طبيعة الإسلام ، والذي أدخله العرب إلى العالم الأوروبي ونسبه « روجر بيكون » زورا إلى نفسه .
رأينا أن منهج من تمثلنا بهم في هذه الدراسة قد اقتصر في فهم الإسلام على التفسير التاريخي ، ووقف بعضهم عند التفكير الصوفي باعتبار أن هذين العنصرين :
التاريخ والصوفية يعبران عن مفهوم الإسلام الصحيح .
والحقيقة التي أشرنا إليها في مواطن عدة أن الفكر الإسلامي قد نشأ وترعرع وتطور من خلال اقتحامه لمجالات وآفاق عديدة وجديدة . منها التصوف والفلسفة ، وعلم الكلام وسائر المؤثرات الفكرية الأخرى النابعة من الاتجاهات المذهبية والحزبية والسياسية المعبرة عن الانقسامات السياسية ، ولكن هذا الفكر الإسلامي قد شكل نفسه تشكيلا متميزا مستقلا أصبحت له خصائص محددة تختلف جذريا عن العوامل الخارجية التي احتك بها . فإذا جاء هؤلاء المستشرقون ، وقصروا أنفسهم على تفسير الإسلام على قطاع معين من فكره ، أو طبقوا منهجا معينا لتحليله واستقرائه ، أو اقتصروا على مرحلة معينة من تطور هذا الفكر قبل اكتماله في صورته النهائية فإنهم يرتكبون بذلك خطأ علميا كبيرا عندما طبقوا على فهمه تلك المناهج العلمية التي أشرنا
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 222
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٢٢