تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
المطلقة للّه وداعيا لها في عالم لم يعد يؤمن باللّه . إنه دين إبراهيم الذي لم يكن مشتقا من دعوة « إسحاق أو المسيح » إنه دين إسماعيل أيضا الخالي من التجسيد المنزه للّه عن كل صفات البشر ، ومن هنا كان تقدير « ماسينيون » للإسلام ، وهو تقدير إيجابي لأنه يحمل صفات الديمومة والكمال . إن مفهوم مصطلح « العالم الإسلامي » عند « ماسينيون » يقصد به الإسلام في الوقت الحاضر ، الذي يراه كحقيقة إنسانية ووحدة اجتماعية في آن واحد . كما أنه يستعمل هذا المصطلح على ماضي الإسلام أيضا ، وقد استخدم عدة مناهج لاكتشاف هذا « العالم الإسلامي » الذي درسه من عدة جوانب مختلفة . فالإسلام بالمعنى الضيق يقصد به الحياة الدينية والروحية للمسلمين ماضيا وحاضرا ، أما إذا نظرنا إليه بالمعنى الواسع فإن الإسلام يشمل الوقائع العلمانية ذات العلاقة بالديانة الإسلامية ماضيا وحاضرا . وهكذا تتميز الدراسات الدينية عن الدراسات العلمانية عندما تتركز الأولى وتتجمع حول القيم الدينية المعاشة في هذا الدين من جهة ، وعلى الظواهر الدينية ذات الطابع الإسلامي المحدد من جهة أخرى « 1 » . ولا يمكننا فهم هذا المصطلح إلّا إذا أصّلنا الظاهرة الدينية المراد دراستها . وهذه الأصالة يراها « ماسينيون » في التطور الباطني للديانة الإسلامية التي تتخذ لها مظهرا ميتافيزيقيا يكشف عنها الوحي من جهة ، والكشف الذي ينقدح في عقل المتصوف من جهة أخرى . وخلاصة القول حول منهجية « ماسينيون » هي ابتعاده عن المنهج التاريخي الذي سلكه زملاؤه الآخرون في تفسير الدين الإسلامي مثل « جولدزيهر ، وهرجرونيه ، وماكدونالد » وغيرهم . وتجنبه مذهب « التأثر والتأثير » الذي نادى به كل من « هرجرونيه وبيكر » وغيرهما ، وابتعاده عن تلمّس الأشباه والنظائر ، وخوضه لتجارب شخصية حاول من خلالها استكناه التصوف الإسلامي الذي حاول بكل إخلاص الكشف عن باطنه من خلال الممارسات الظاهرية التي قام بها . وقد ساعده على ذلك إيمانه العميق بالمسيحية ، وإن كنّا نراه مسلما في كثير من جوانب وتصرفات حياته ، وقد عبّر عن ذلك ضمنا في مواقع كثيرة من كتبه ومذكراته . فهو يحترم سائر الأديان والمعتقدات سماوية منها أو غير سماوية ، وربما كان اختياره للكاتوليكية عائدا إلى أسباب وظيفية وسياسية واجتماعية . كما أنه حاول من خلال عمله السياسي الوقوف إلى جانب القضايا العربية ، فقد طالب باستقلال
هامش
( 1 )Waardenburg , Islam , op . cit , p . 261 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 219 | ساسي سالم الحاج