الإسلامي . وحاول هذان المستشرقان الوصول إلى معرفة التاريخ الإسلامي الحقيقي من خلال هذين العنصرين ، إلّا أن التوفيق لم يكن حليفا لهما ، لأن المنهج التاريخي لا يقود إلى الموضوعية العلمية عند تناوله للقضايا الإسلامية ، وكانت هذه النتيجة قد أشار إليها « بيكر » قبل وفاته بأعوام قليلة عندما أنكر إمكانية الوصول إلى نتائج موضوعية عن التاريخ الإسلامي من خلال سلوك المنهج التاريخي ، مفضلا عليه الدراسات العلمية لمواضيع محددة طبقا للظروف والأحوال التي تحيط بها ، وصولا إلى الأسباب والنتائج المباشرة المنبثقة عنها وهو ما يطلق عليه بالمنهج « المونوجرافي » ، ذلك أن النظرة الشاملة العامة للإسلام لا تؤدي بالباحث إلى الوصول إلى دراسة موضوعية ومحايدة عنه ، خاصة أن الدين الإسلامي لا يجب النظر إليه من الناحية الروحية وحدها ، أو من الناحية المادية وحدها ، لأنه يشمل الناحيتين معا ، ومن هنا كان قصور المنهج التاريخي الذي يركز على الحقائق المادية دون الالتفات إلى الحقائق الروحية .
أمّا بالنسبة إلى « ماكدونالد » و « ماسينيون » فإنهما عالجا الدراسات الإسلامية من خلال الحياة الروحية والصوفية للديانة الإسلامية . وهما وإن لم يهملا الناحية التاريخية ، إلّا أنهما قد ركّزا بصورة أساسية على دراسة القيم الروحية وأثرها على تطور الديانة الإسلامية ، وهذا المنهج الذي اتبعاه نابع من سلوكهما ومعتقداتهما الدينية ، فالأول قسيس متخصص في الدراسات اللاهوتية ، والثاني كاثوليكي متخصص في الدراسات الأدبية والاجتماعية ، وهذا التكوين الثقافي والديني الخاص بهما دفعهما إلى دراسة الإسلام من خلال قيمه الروحية لا من خلال تطوره التاريخي .
وبالرغم من اختلاف المناهج التي عالج بها أصحابنا الخمسة الدراسات الإسلامية ، فإن النتيجة العلمية التي نستنبطها من خلالها واحدة ، وهي عقم هذه المناهج في معالجة القضايا الإسلامية ، ذلك أن للإسلام منهجه الأصيل والمتميز في المعرفة والعلم ، والنظر إلى الكون والحياة ، ولا يمكن أن تطبق عليه هذه المناهج الحديثة المنصبة على معالجة الظواهر المادية دون التطرق إلى الظواهر الروحية . كما أن الأساليب الغربية الأخرى كالمنطق الأرسطي ، وأسلوب الوجدان والقلب والإشراق لا تصلح كمناهج لدراسته ، يضاف إلى ذلك أن هذه المناهج الغربية الحديثة تعالج الظواهر من حيث جزئياتها ، أمّا الإسلام فإنه لا يصلح لدراسته إلّا منهج شامل متكامل يجري على الأبعاد المختلفة للفكر الإنساني الذي تمثله واستوعبه وصاغه بأسلوب
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 221
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٢١