دين معين . ولو طبقناه على دراسة « الظاهرة الدينية » فإنه يجب أن يرسخ في أذهاننا أن التطور الذي يشوب أي دين من الأديان يتم من خلال خطوط بنائية مميزة تسمح لنا بفهم اتجاه هذا الدين والتعاليم التي جاء بها ، والغرض الذي يسعى إلى تحقيقه ، كما يسمح لنا بفهم توجهات الأمة التي تعتنق هذه الديانة ، وتطورها الاجتماعي . ولا يتم ذلك كلّه إلا بالغوص في بواطنها ، واستجلاء غوامضها عن طريق الكشف الباطني ، وهو الدور الذي يقوم به التصوف في إطار الدين الإسلامي ، وهذا المنهج أطلق عليه « ماسينيون » اسم « البناء الاستبطاني
Reconstruction introspective
» الذي يكشف عنه التصوف عن طريق التجربة العقلية للمتصوف ذاته ، والذي يبدأ بالتأمل والنظر والذكر والمجاهدة والمكاشفة وينتهي بالفناء في اللّه أو الحلول فيه .
إن هذا الكشف الباطني الذي يصل إليه المتصوف لا يتم إلّا من خلال دراسة القرآن والتأمل في آياته . وحاول « ماسينيون » تطبيق هذا المنهج على نفسه . فقرأ القرآن وحاول فهمه « كأحد المسلمين » ، وخاض التجربة الصوفية عندما عاش في صعيد « مصر » كأحد الفقراء تطبيقا لنظرية « تحقير الجسد » ، وارتدى ثياب الفلاحين القذرة ، ونام في الإسطبل والعراء ، وألزم نفسه بحياة تقشفية في غاية الشدة والصّرامة كل ذلك من أجل استيعاب الإسلام وفهم التصوف الإسلامي على حقيقته ، ومن هنا كان تخصصه في دراسة « الحلّاج » وبيان مأساته ، وتصوير عذابه ، ومشاقه ، محاولا خوض التجربة من تلقاء ذاته .
إن دراسات « ماسينيون » الصوفية قادته إلى القول بأنه - أي التصوف - يحتوي على كل القيم الضرورية للإسلام . وهذه القيم تتنوع وتتدرج من العطف والشفقة ، إلى الحياة الروحية وصولا إلى الاتحاد المطلق بين اللّه والإنسان . وهذا ما دعاه إلى أن يطلق على « المتصوفين » « قديسي الإسلام » الذين يعيشون حياة باطنية تمتزج فيها قلوبهم بحب اللّه محاولين الفناء في ذاته .
نظر « ماسينيون » إلى الإسلام باعتباره دينا سماويا يضم جماعة دينية أطلق عليها « العالم الإسلامي » وهذه الجماعة الإسلامية هي حقيقة واقعية حيّة درسها صاحبنا باعتباره عالما اجتماعيا ، ورأى أن لهذه الجماعة خصائص دينية متميزة استمدت ديانتها من معتقدات « إبراهيم أب كل المعتقدين » ، وهو دين الإيمان والوحدانية ، ومصدر كل حقيقة صوفية ، ومحطم الأصنام والأوثان . إنه الدين الذي يستمد أسسه من الوحدانية