واعتبر هذا الاحتلال جرحا غائرا لم يندمل عندما أصاب الثقافة الإسلامية والشعور الإسلامي العام إصابات موجعة وخطيرة في الوقت نفسه « 1 » . وهذا الشعور الذي يحس به صاحبنا دفعه دوما إلى الوقوف بجانب القضايا العربية والإسلامية ، حتى ذهب إلى القول بعدم تبرير الحروب الصليبية التي اعتبرها أنصارها بأنها حرب مقدسة في مواجهة الجهاد الإسلامي ، لأن الجهاد قد فرض على المسلمين ضد الذين لا يعترفون بحق اللّه على الناس . بل إن الإسلام يلطّف من هذه « الحرب المقدسة » ليس فقط في أثناء السلم بالنسبة إلى الذميين ، ولكن في وقت الحرب أيضا باللجوء إلى حق الضيافة ، والدفاع عن حياة وثروات الذميين ، وبمعاملته الحسنة للأسرى . وأكثر من هذا فإن الغريب المقيم في دار الإسلام وقت السلم الذي يصبح عدوا في حالة إعلان الحرب مع بلاده الأصلية ، فإنه يحتفظ بجميع حقوقه التي كان يتمتع بها قبل إعلان الحرب « 2 » . ويواصل تنديده بالاستعمار الأوروبي قائلا في مقابلة صحافية له عام 1927 م : « لقد دمرنا كل شيء لديهم ، دمرنا فلسفتهم ، وديانتهم ، فأصبحوا لا يعتقدون في أي شيء ، فراغ قاتل يعيشون فيه ، وأصبحوا متهيئين للفوضى والانتحار ، ولم يعد لهم شيء يتعلقون به سوى جنسيتهم وقوميتهم وبلدانهم وصاروا مستعدين لمقاتلتنا بضراوة ، لقد أفقدناهم ضمائرهم وهم يتهموننا بذلك ويستعدون علينا ، هذا هو الحساب الرهيب الذي يطلب الشرق من أوروبا تسويته معها « 3 » » .
انصبت أبحاث « ماسينيون » على النصوص الدينية الإسلامية ، وعلى الوقائع التاريخية والاجتماعية والروحية الإسلامية خاصة « الظاهرة الصوفية » . وسلك في هذه الدراسة منهجا علميا يتوسط المناهج الأوروبية الحديثة ومناهج الأقدمين المتعلقة بدراسة الحضارات القديمة .
ولتفسير النصوص الإسلامية فإن الأمر يقتضي النفاذ إلى روحها من خلال معرفة عميقة باللغة العربية ونحوها ، وبالمعاني المستترة والمستعارة التي تعبر عنها هذه اللغة ، ثم إن المعنى الذي يفهم من النص المطروح يتخذ أشكالا أربعة : المعنى الأول وهو الفهم الحرفي للنص ، والمعنى الثاني هو الفهم الرمزي له ، والمعنى الثالث هو ما
هامش
( 1 )Waardenburg , Islam , op . cit , p . 218 .( 2 )Massignon , opera Minora , le respect de la personne Humaine , T . 111 , p . 553 .( 3 )Massignon , Dans " Comoedia " 8 / 3 / 1927 in , Waardenburg , op . cit , p . 219 .