تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
أن أصل التصوف الإسلامي يستمد أساسه من التأمل المتأني في الآيات القرآنية ، ومن تلاوتها بتمعن وترو وهدوء ، وفهم هذه الآيات بصورة إجمالية بعد طول النظر والتفكير . وعندما ضعف التصوف الإسلامي في القرون الأخيرة فإن مرجعه الابتعاد المضطرد عن التأمل في الآيات القرآنية ، والوصول إلى الحالات الصوفية طبقا لمدارجها باستعمال وسائل مصطنعة « 1 » . أمّا بالنسبة إلى المصطلحات الصوفية فإن مصدرها يعود إلى التجارب الروحية وعلاقتها الوثيقة بالتجارب العملية التي يستخدمها المتصوف ، فيمتزج الروح بالعمل ، ويصل المتصوف من خلالها إلى الدرجة العليا للفناء في ذات اللّه ، بعد أن يكون قد مرّ بالدرجات الأولى التي تسبقه والتي تبتدئ بالإيمان ، ثم الرياضة ، ثم المجاهدة حتى تصل إلى الفناء وهو أعلى درجات التصوف . ويرى « ماسينيون » أن « الحلّاج » قد وصل فعلا إلى درجة الفناء في الذات الإلهية « 2 » ، وتكمن مأساته في ادعائه « الحلول » في الذّات الإلهية ، ومناداته « بإسقاط الواسطة » التي يلتجئ إليها الإنسان لعبادة اللّه كالصلاة والحج والصوم وغيرها من الشعائر المفروضة عليهم . وحوكم « الحلّاج » عندما قال : « أنا الحق » ، وعندما رفض الحج إلى مكة واتخذ من بيته بديلا للمسجد الحرام يمارس فيه طقوس الحج من طواف وغيرها . وهذه المظاهر الخارجية هي التي قادته إلى مصيره المحتوم . ولكن « ماسينيون » لم يغفل عن الأسباب الباطنية المتعلقة بالقضايا السياسية والتي كانت السبب الحقيقي وراء محاكمته ثم إعدامه خاصة ما كانت له من صلات وطيدة بالحركة القرمطية . تعمق « ماسينيون » في دراسة التصوف الإسلامي بشكل لم يسبق له مثيل ، وخرج بنظريات جديدة قلّ نظيرها لدى المفكرين الغربيين الآخرين الذين عالجوا هذا الموضوع ، ولكن صوفيته هذه نقلته إلى عالم السياسة ، وإلى الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي المعاصر ، وهو إن فعل ذلك ، فقد كان مدفوعا بثقافته الاستشراقية من جهة ، وبوظائفه الرسمية التي باشرها من جهة أخرى . وكانت أحكامه حول العرب والإسلام دوما إيجابية ، فهو قد ندد بالغزو الأوروبي للعالم الإسلامي ، وصور ذلك الألم النفسي الذي انتاب المسلمين من جرّاء هذه السيطرة الغربية على مقدراتهم تصويرا مؤلما ،
هامش
( 1 )Massignon , Essai , op . cit , pp : 106 - 108 .( 2 )Ibid , pp : 309 - 314 .