تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
إيمانه بصدق رسالته والعمل على إبلاغها مهما كلفه ذلك من مشاق « 1 » . أمّا بالنسبة إلى حياة النبي الباطنية ، فإن ماسينيون يشير إلى الاتجاهات الصوفية لديه منذ بداية رسالته ، فهو يؤمن « بوحدانية » اللّه ويدعو إليها من أعماق قلبه ، ويندد « بالشرك » . ويعتبره من الجرائم التي لا تغتفر . وهذا الاتجاه التوحيدي بالإضافة إلى واقعة الإسراء والمعراج التي تعبر بصورة أو بأخرى عن « الاتحاد باللّه » هما المظهران الرئيسان لاتجاه النبي الصوفي . ويقول « ماسينيون » في هذا الصدد : « إن الرسول لم ينتهز فرصة الإسراء والمعراج للاتحاد باللّه والاندماج في ذاته ، كما لم يستطع الصوفيون من بعده تحقيق هذا الاتحاد إلا الحلّاج الذي دفع حياته ثمنا لهذا الاندماج » « 2 » . وهكذا يرى « ماسينيون » أن محمدا ليس نبيا مزورا ينشر الأكاذيب والأباطيل ، ولكنه كان نبيّا « سلبيا » لأنه كان شاهدا ، ومنذرا بيوم الحساب فقط « 3 » . ونحن نستنتج من هذه العبارة ، أن « ماسينيون » كان يعتقد جازما صحة الرسالة المحمدية ، وأن الرسول كان مخلصا في دعوته وصادقا فيها ، وأنه كان نبيّا « سلبيا » بمعنى أنه لم يدّع الشفاعة ، أو هداية الناس إلى الطريق القويم بإرادته ، أو يوزع صكوك الغفران على أصحابه ، بل كان بشيرا ونذيرا ، وموقفه هذا هو الذي جعله صادقا في رسالته ، لأنه لو كان نبيّا « إيجابيا » لفعل مثل ما فعله رجال الدين المسيحيون من منح صكوك الغفران ، وقبول التوبة بعد الاعتراف بالذنوب ، والادعاء بالوساطة لدى اللّه فيصبح في هذه الحالة نبيّا دعيّا ومزورا . فإذا تركنا موقف « ماسينيون » من الرسالة المحمدية - وهو موقف إيجابي - كما رأيت ، وانتقلنا إلى آرائه حول تاريخ الصوفية لوجدنا هذا الموضوع قد حاز لديه كل اهتمام ، ووقف حياته على بحثه وتمحيصه ، وأعد في سبيله عشرات المؤلفات والمقالات ، وبدأ اهتمامه به منذ عام 1907 م عندما قرأ أشعارا ل « فريد الدين العطّار » تدور حول مصرع « الحلّاج » ، وفيها تمجيد لهذا الصوفي الذي دفع حياته ثمنا لأفكاره ، فبدأ يعجب به ، وخصّه بأبحاث عديدة أشهرها رسالته الأولى للدكتوراه بعنوان : « عذاب الحلاج شهيد التصوف في الإسلام » ثناها برسالته الثانية بعنوان « بحث في نشأة
هامش
( 1 )Ibid , pp : 43 - 24 - 29 / 30 .( 2 )Ibid , pp : 16 - 17 .( 3 )Ibid , p . 27 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 213 | ساسي سالم الحاج