أقصى مجهوداتي لفهم أسلوبه والنفاذ إلى أعماق بصيرته وتفكيره ، ولكن هيهات أن يكون لي ذلك وأنا الفقير في العدة والعتاد . ومع ذلك فإن ذكراه عند إعلان وفاته لم تمر عليّ بتلك السهولة عندما اطّلعت على الصحف الباريسية صبيحة أول ديسمبر سنة 1962 م وهي تنعاه بأسى وأسف بالغين واصفة إياه بشهيد التصوف الإسلامي .
وعندما نتعرض لمنهجية « ماسينيون » ، فإننا سنتناول طريقته التي عالج بها مختلف الدراسات الإسلامية التي قام بها . وبالرغم من أنه قد تخصص بالدرجة الأولى في التصوف الإسلامي إلّا أنه لم يهمل بقية المواضيع الإسلامية الأخرى ، وكان دوما سباقا إلى الخوض فيها بما أوتي من نفاذ النظرة ، وعمق البصيرة ، وحدة الذكاء ، والصبر على البحث والتحصيل .
تناول « ماسينيون » دراسة « نبي الإسلام » في إطار تفسيره لظاهرة « النبوة » ، واعتقد جازما أن الرسول قد سمع ورأى الملك « جبريل » وهو ينزّل عليه القرآن من اللّه ، وكان الرسول مخلصا صادقا في ما قاله حول « الوحي الإلهي » . ولكنه - أي الرسول - قد أصابه بعض الشك في بداية الأمر فاتصل بأهل الديانات السماوية الأخرى مستفسرا عن الأمر ، ويشير « ماسينيون » هنا - ضمنا - إلى واقعة ذهابه مع زوجته خديجة إلى « ورقة بن نوفل » باحثا عن الحقيقة ، بعدئذ تأكد له صحة ما سمعه وما رآه . وهذا الرأي - وإن كان لا يعتقد في صحة الوحي الإلهي المنزل على الرسول - إلا أن « ماسينيون » لم يصف النبي بالكذب أو الادعاء ، أو التضليل ، أو الهلوسة ، أو التحايل ، ولكنه اعتقد أن النبي كان صادقا حقا حينما أبلغ أهله وقومه بصدق رسالته ، ونبوته ، وتلقيه القرآن من اللّه « 1 » .
وكما كان الرسول صادقا في رسالته ، كان صادقا أيضا في دعوته التي وجهها إلى التوحيد ، داعيا قومه إلى النهوض من غفوتهم باعتبارهم هم الآخرين شعب اللّه المختار حالة كونهم منحدرين عن جدّهم « إسماعيل بن إبراهيم » . ومن هنا جاءت دعوته إلى « إبراهيم » باعتباره أب « إسحاق وإسماعيل » . فإذا كان الأنبياء من اليهود فإن الوقت قد حان لتنتقل الرسالة الإلهية إلى العرب باعتبارهم هم الآخرين منحدرين من « إبراهيم » .
ويكمن خطأ « ماسينيون » عندما اعتقد أن الرسول لم يكن ساعيا إلى تكوين دين جديد بجوار اليهودية ، ولكنه استند إليها لاعتبارات تاريخية أهمها أخوّة « إسحاق
هامش
( 1 )Massignon , Les trois prieres d'Abraham , 1935 , pp : 24 - 41 .