المسخرين لخدمة الأغراض الاستعمارية . ودعنا نورد هنا وصف شعور « ماسينيون » عندما التقى ب « لورنس » وإشارته الخفية إلى الأغراض السياسية التي يسعيان إلى تحقيقها فيقول : « في 8 من أغسطس خلوت ب « لورنس » لوحدنا نحو ساعتين في المكتب العربي . كانت له هالته بالنسبة إليّ . لقد أدهشتني رؤية انجليزي لم يزل شابا متحررا من كل عرف ، خارج القانون تقريبا ، ولكنه حذر جدا في الوقت نفسه ، مرّ وعذب ، لديه طرف خجل كالفتيات ، تتخلل انفجارات قاسية صوته الملجوم المنخفض . حاولنا تلمّس بعضنا بالفرنسية ، ثم بالإنجليزية وبالنهاية بالعربية لفترة طويلة ، وكنت قد استعدت منذ ثلاثة أشهر عربيتي التي تشبه أسلوب جريدة « المنار » العربية التحديثية مع بقاء نغمتي التصوفية الممزوجة بالسلفية . أمّا هو فقد كان يجيبني بلهجة عارية حماسية ليست صحيحة تماما وغير مترابطة . وجعلت نفسي بكل سذاجة منتظرا عربيا مسلما . وكان « لورنس » يشعر كم أن ذلك سيعطيني هيمنة فاعلة على « فيصل » لا يستطيعها هو وعلى حسابه . وبكل صدق حاول مسايرتي معتبرا أننا نقف على أرض واحدة . وأطلعني على بعض المعلومات السياسية عن العائلة الهاشمية مثل سرّ الملك « حسين » في أن هدفه إعلان نفسه ، ليس خليفة ، بل إماما على طريقة الزيديين في اليمن . ولكن هذا كان أقصى ما يصل إليه علمه في « أصول الفقه » . صدّ هجومي وهو يحاول أن يجعلني أعود إلى عقليتي كعالم آثار إلى ذلك البدوي المتخفي ، ولكن تسع سنوات كانت قد انقضت منذ « أخيضر » . ومنذ ذلك اليوم أحسست أن « لورنس » سوف يتهرب من كل محاولة لحياة مشتركة معي . خاصة عندما قال : « أنت تحب العرب أكثر مني » . هكذا خلص إلى القول » « 1 » .
وعندما انتهت الحرب الكونية الأولى عاد صاحبنا إلى بلاده ، وعين أستاذا بديلا
Suppleant
في الكوليج دي فرانس في كرسي « علم الاجتماع الإسلامي » . ثم أستاذا لهذا الكرسي حتى عام 1954 م ، كما عين مديرا للدراسات بالمدرسة العلمية للدراسات العليا ، قسم العلوم الدينية ، وصار عضوا عاملا ثم مراسلا في مجمع اللغة العربية ، وتولى تحرير مجلة « العالم الإسلامي » .
وبالرغم من عمله الأكاديمي فإنه ما زال يواصل نشاطه السياسي ، خاصة عندما
هامش
( 1 )Massignon , opera Minora , Mes rapports avec lawrence en 1917 , T 111 , p . 425 .واستقيت الترجمة بعد الاطلاع على النص الفرنسي من مجلة « الفكر » ، ص 360 .