تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
بعد عودته من القاهرة عام 1907 م كلف بالقيام بأبحاث أثرية في العراق ، وهناك باشر مهامه بهمّة ونشاط ، ونزل ضيفا على عائلة « الألوسي » التي احتضنته كأحد أبنائها ، وترسم آثار الحلّاج ، وزار معظم الأماكن المقدسة الشيعيّة بها ، وانتهت به أبحاثه الأثرية إلى اكتشاف قلعة « الأخيضر » عام 1908 م ، وتمخضت هذه الأبحاث عن كتاب ضخم في مجلدين بعنوان « بعثة أثرية في العراق » ، بجانب العديد من البحوث والمقالات الأخرى حول العراق وتاريخه والمظاهر الاجتماعية الخاصة به ، نشرت معظمها في مجلة « العالم الإسلامي » الشهيرة « 1 » . وفي أثناء قيامه بمهامه الأثرية بالعراق حصلت له حادثة سيكون لها شأنها في مستقبل أيامه ، ذلك أنه بينما كان عائدا من عمله ، ألقت السلطات التركية القبض عليه ، واتهمته بالتجسس ، وكانت هذه السلطات شديدة الحذر من الأجانب نظرا لقيام الاضطرابات الشديدة في تركيا ، واستعداد « جمعية الاتحاد والترقي » التركية للانقضاض على الخلافة العثمانية ، وما رافق ذلك من دعوات وتأثيرات وأفكار صادرة من الدول الأوروبية ، فشكت السلطات التركية في مسلكه ، وأرسلته على متن باخرة تحت تهديد الموت ، وحاول الهرب إلّا أنه ألقي القبض عليه من جديد ، فأصيب إبانها بالملاريا التي أفقدته الوعي ، وبقي طريح الفراش حتى توسطت له عائلة « الألوسي » لدى الأتراك فأطلق سراحه ، واستعاد حريته ، وكانت لهذه الحادثة أثرها الشديد على تفكيره وعقله ، فأصبح شخصا آخر ، وأخذ ينظر إلى العرب نظرة كلها محبة وتقدير وامتنان ، كما اعتقد جازما أن الليلة التي استعاد فيها وعيه ، ووجد أصدقاءه العرب بجواره يبتهلون إلى اللّه لإنقاذه من الموت ، كانت ليلة التجلي الحقيقية كالتي أصابت أمثاله مثل « ديكارت » و « باسكال » و « لورنس » وغيرهم ، ودعنا نقدم لك وصفها بيراعة لعلّك تستنتج منها ما حاولنا التعبير عنه فعجزنا عن ذلك ، يقول « ماسينيون » : « سنتان من العمل في اللغة العربية ومن الأزمة الداخلية ، في مصر تنقيب ودراسات أثرية رافقها هروب دائم وتخفّ في ثياب الفلاحين عند الخارجين على القانون ، شغف بالفهم وباختراق الدين الإسلامي بأي ثمن . وبعد أن وجدت مصر شديدة « الأوربة » تركتها إلى بغداد . هناك كرئيس بعثة أثرية رسمية ، عشت متقشفا ، ومتخفيا في حماية عائلة عربية من المسلمين النبلاء . ثم قفزت ، بلباس غائم الملامح لعسكري تركي مأذون ، إلى الصحراء للبحث
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 366 .