عن أثر بين كربلاء والنجف ، ثم وقعت في الفخ وأوقفت بتهمة التجسس ، ضربت وهددت بالموت ، وحاولت الانتحار انتقاما من نفسي ، ثم وفجأة عدت إلى نفسي ، مغمض العينين أمام نار داخلية تحاكمني وتكوي قلبي . أيقنت بحضور خالص فائق الوصف إبداعي ، وتركزت أفكاري على رجاء ألّا يكون مرئيا أمامي ، زوار يأتونني إلى السجن أسماؤهم تطرق أذني . الاسم الأول « أمّي - التي كانت ساعتها تصلي لسيدة لورد - والخامس هو « فوكو » . ثم تنكب الذين استضافوني مهمة إنقاذي على عاتقهم ، وعبر آلاف الأميال عدت إلى فرنسا » « 1 » .
ونحن نستخلص من النص السابق ، ومن نصوص أخرى مبثوثة في كتب « ماسينيون » ومراسلاته لأصدقائه أنه اعتنق الديانة الإسلامية بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، فهو قد تأثر بكرم ضيافة مضيفيه ، وسعيهم الدءوب إلى إنقاذه من موت محقق ، ولأنه اطلع على المبادئ الإسلامية الحقيقية وآمن بها عن قناعة . ودعنا نقدم لك نصّه الذي استنتجنا منه ذلك فهو يقول : « إن المسلمين ليسوا مبشرين ، وهم يكنّون احتراما كبيرا للتعالي الإلهي ، وعرض عليّ مضيفاي أن يصنعا لي ختما من الكريستال الحجري ، ويضعا تحت اسمي المنقوش عليه كلمة « عبده » - ورفضت بكياسة هذا العرض - ولكن في نهاية عام 1908 م عند خروجي من المعتقل ، وعندما أعطياني ذلك الختم ، كنت قد أصبحت مؤمنا و « عبدا فعليا لإله إبراهيم المضياف » « 2 » .
ولا يهمنا إثبات إسلام « ماسينيون » من عدمه ، فالأمر موكول برمته إلى خالقه الذي يستطيع وحده الكشف عن خبايا سريرته ، ولكن دراسته المستمرة والمتصلة بالحلّاج حتى آخر رمق في حياته ألا تجعلنا نحكم عليه أنه قد اندمج في الديانة الإسلامية على طريقة الصوفية اندماجا لا انفصام له ؟ .
بدأ أول دراسة جدية عن « الحلاج » عندما نشر بحثا في الكتاب التذكاري المهدي إلى « داربنور » عام 1909 م بعنوان : « عذاب الحلّاج والطريقة الحلّاجية » ، وثنّى عليه بمقال نشر في مجلة « العالم الإسلامي » بعنوان : « الحلّاج الشبح المصلوب والشيطان عند اليزيدية » . ثم قام بنشر كتاب « الطواسين » ثم كتب مادتي « الحلّاج » و « الحلول » في دائرة المعارف الإسلامية .
هامش
( 1 ) أديب عامر ، ماسينيون ، المستشرق والإنسان مقال منشور في مجلة الفكر العربي ، عدد « 31 » المرجع السابق ، ص 354 .
( 2 ) المرجع السابق ، بتصرف كبير ، ص 355 .