تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
يتفق « ماكدونالد » مع عقيدة التوحيد الإسلامية ، ويراها أرضية صالحة لإيجاد مشتركات بينها وبين الديانة المسيحية ، بل إن القيمة الحقيقية التي يسبغها على الإسلام تتلخص في الوحدانية التي تجد لها صدى واسعا في نفسيته وعقليته باعتباره رجل دين مؤمنا باللّه ، محاربا للمادية والإلحادية ، وهو عندما يفسر هذه « القيمة » الإسلامية فإنه يراها متجلّية في أبهى صورة لها عندما يؤمن هذا الدين بالحقيقة الروحية المنبثقة من القدرة الإلهية . وهذه الديانة تبقى دوما على علاقة مستمرة بهذه الحقيقة التي تؤكد وحدانية اللّه ، وتنكر تجسد اللّه في المسيح ، وتنزهه عن التشبيه والتجسيد . ومن هنا لم يحكم « ماكدونالد » على هذا الدين بالتزييف ، واعتقد دوما إمكانية إجراء محاورات معه ، والتي تتم بالضرورة عن طريق البعثات التبشيرية . اعتقد « ماكدونالد » عن قناعة إمكانية الوصول إلى الحقيقة الميتافيزيقية عن طريق الديانة الإسلامية التي تؤدي عن طريق الزهد والتصوف إلى الوصول إلى هذه الحقيقة الخفيّة ، وحاول جاهدا من خلال دراسته البرهنة على هذه الحقيقة التي هي انعكاس واضح لقناعاته ومعتقداته الشخصية ، ومن هنا كانت دراساته تمتاز بالدقة والشمولية ، ونظراته العامة تتجه دوما نحو العالم الميتافيزيقي الذي يستطيع الإسلام الكشف عنه بالمجاهدة والمكاشفة ، وهذا الكشف هو الذي يقود مباشرة إلى معرفة اللّه عن طريق هذه الوسيلة الميتافيزيقية التي لا تخضع للقوانين والنواميس العادية . أليست هذه النتيجة هي ذاتها التي وصل إليها « الغزالي » قبل عدة قرون ، والذي اتخذه صاحبنا مثالا للبرهنة على هذه « الحقيقة الإسلامية » عندما شاهد اضطراب الفرق ، واختلاف المذاهب ، وتباين الملل في زمانه ، فشبه ذلك ببحر غرق فيه الأكثرون ، فأحب أن يقتحم لجة هذا البحر العميق ويخوض في غمرته ، ويتوغل في ظلماته ، فأدرك أن العلم إمّا أن يكون بالمحسوسات ، وإمّا أن يكون بالعقليات ، ولكنه نبذ هاتين الوسيلتين لأن العقل يكذب الإحساس ، والإحساس يكذب العقل ، ولم يبق أمامه إلّا الكشف بنور قذفه اللّه في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، التي يمكن الوصول إليها عن طريق الصوفية التي لا تتم إلّا بالعلم والعمل معا ؟ . ألم تكن هذه الأفكار الغزالية هي الأفكار ذاتها التي انتهى إليها « ماكدونالد » في بحثه عن الحقيقة الدينية للعوالم الخفية ؟ . فإذا كان الأمر كذلك فما هي أصالة أفكاره ، ونتائج أبحاثه إن لم تكن مستندة كلها إلى المعارف الغزالية ؟ فإذا كان الأمر كذلك ، فما منهجية « ماسينيون » وعلاقته ب « الحلاج » والتصوف الإسلامي ؟ . . . هذا ما سنراه في المبحث المقبل .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 204 | ساسي سالم الحاج