تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
فيصل إلى الحقيقة الكبرى كما فعل الغزالي « 1 » ، ويتحد باللّه لأنه لا يوجد انفصال نهائي بين الخالق والمخلوق . وخرج « ماكدونالد » بنتيجة من التحليل السابق مفادها أن النظرة الإسلامية للعالم الخفي تتفق ونظرة المسيحية إليه إلى درجة أنه يمكننا فهم الروح الديني الإسلامي كخطوة متقدمة نحو الوصول إلى الحقيقة المطلقة . ومن هنا فإن دراسة الإسلام يمكن اعتبارها كبحث عن الحقيقة الدينية . ويلتقي « ماكدونالد » في هذه النتيجة مع بقية العلماء الآخرين الذين درسوا هذا « الدين » ووصلوا إلى النتيجة ذاتها التي وصل إليها . بل إنه قد تمثل بوضوح فكر « الغزالي » حول الوصول إلى الحقيقة عن طريق التصوف والمجاهدة ، وفكر « ابن خلدون » حول تجلي الحقيقة الخفية ، وقد خرجت به هذه النتيجة عقليا من بيئته الخاصة منقبا عن الميتافيزيقيا الإسلامية ومتمثلا لها . أدرك « ماكدونالد » الإسلام بسبب خاصيته الدينية ولهذا السبب اعتبره « كوحدة عضوية » . ويرى هذه الوحدة متمثلة في قاعدة دينية ميتافيزيقية . ويقصد ب « الوحدة العضوية » للدين الإسلامي شموليته للتعاليم الدينية ، والثقافة التاريخية والاجتماعية . وقد تحققت هذه الوحدة تاريخيا بين الدين والثقافة ، ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا . وعلى الباحث تناول الحياة الإسلامية من جميع جوانبها ، وإذا ما ظهر له ذلك التباين الثقافي في المجتمع الإسلامي فإنه يكون ثانويا طالما كانت هذه الثقافة مستندة إلى جذور ميتافيزيقية ودينية واحدة . وعلى الباحث أيضا أن يدرس الفكر الديني الإسلامي كوحدة واحدة ، لأن تطوره نابع دوما من المصادر الثلاثة الخاصة به ، وهي النقل ، والعقل ، والكشف . وهذه المصادر لا تتناقض مع بعضها لأن المعرفة الدينية تنبع من مصدر ميتافيزيقي مشترك تغذيه هذه المصادر المذكورة . وتتجلى « الوحدة العضوية » للديانة الإسلامية عند التقاء الإنسان باللّه « فاللّه سبحانه وتعالى يوحي إلى الإنسان عن طريق الأنبياء ، والإنسان يتصل باللّه ويتقرب إليه عن طريق الصلاة ، وهناك تكمن عظمة النبي محمد ، فالروح الإنسانية وإلهها يلتقيان وجها لوجه » « 2 » . وعندما تطرق « ماكدونالد » إلى علاقة الإسلام بالحضارة الإنسانية فإنه طالب
هامش
( 1 )Ibid , p . 253 .( 2 )Macdonald , Aspects , op . cit , p . 79 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 202 | ساسي سالم الحاج