ناظرا إليه بدوره كوحدة لها صفاتها الذاتية ، ومدركا للتاريخ كنسيج حيّ متصل الأجزاء « 1 » .
إن منهجية « بيكر » لم تعن بالمسائل الدقيقة ، وتحقيق الجزئيات البسيطة من روايات ووثائق ، ولم تهتم بالتفاصيل كثيرا . وهذه المنهجية قادته إلى التوفيق في بحث المسائل الحضارية العامة ، مكتشفا بها القوانين العامة التي يسير عليها التاريخ الروحي لشعب من الشعوب أو دائرة حضارة كاملة « 2 » .
وهكذا درس « بيكر » الحضارة الإسلامية - كمؤرخ للحضارات - تخصص بها ، واضعا نصب عينيه الكشف عن التاريخ العام لهذه الحضارة الإسلامية . وتميزت دراساته بنتائج محددة صالحة في مجملها ومبتسرة في تفاصيلها . وفي أبحاثه هذه عالج الوقائع التاريخية باعتبارها وقائع مجردة ، إلّا أن هذه الوقائع يجب أن تفهم من خلال التطور الثقافي للإسلام ، وبهذه المنهجية حاول « بيكر » فهم الوقائع التاريخية بعد وضعها في سياقها العام لتتلاءم مع علاقة الإسلام بالحضارات التي سبقته خاصة المسيحية والهلينية .
وأخيرا يمكننا القول : إن منهجية « بيكر » تستند إلى الافتراضات الأربعة التالية :
أولها :
إن تطور الظواهر الثقافية يخضع لمعيار الصفة « الإنسانية » التي تتمتع بها الحضارة اليونانية ، والتي يراها الأصل الحقيقي والتاريخي للحضارة الإسلامية ، ومهملا بطريقة متعمدة الأصول العربية لها . وهذا الافتراض باطل من أساسه كما أسلفنا .
وثانيها :
إن الحضارة المادية هي القاعدة الأساسية التي تستند إليها الأفكار المكوّنة لهذه الحضارة ، ومعنى ذلك أن الحضارة الإسلامية تتكوّن من عاملين متوازيين لا تناقض بينهما ، وتستند إلى حقيقتين واضحتين لا تغاير بينهما : أولاهما الحقيقة المادية والحقيقة الروحية . وحاول « بيكر » تحليل الحضارة الإسلامية من خلال هذين العاملين والتي رآها أنها تضمهما معا ، فهي حضارة روحية اشتملت على عناصر ماديّة ، إلّا أنه
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، المرجع السابق ص 74 .
( 2 )Waardenburg , op . cit , 129 .