تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
صحيحة منها : أن الدعوة المحمدية منذ بدايتها أدخلت إلى الجزيرة العربية التعاليم المسيحية والأفكار الهلينية ، وأن انتشار الإسلام بعد موت مؤسسه راجع إلى عوامل سياسية واقتصادية ، ثم انغلق فجأة في مجال المثل والأفكار ، ولم يتدخل في الحياة السياسية والاجتماعية إلّا قليلا ، ولم ينظم المجتمع الإسلامي إلّا في أضيق نطاق ، وبقي على هذا الانغلاق حتى هبّت عليه رياح التعاليم المسيحية ثم تلتها أفكار الأفلاطونية المحدثة ، فتطور شيئا فشيئا حتى أنتج نظاما قانونيا ومذهبيا متميزا ، والذي انتهى أخيرا إلى الصوفية « 1 » . وهذه النتائج كما ترى غير صحيحة ، فلا العوامل الاقتصادية ولا السياسية كانت السبب في انتشار الإسلام ، ولكن الدين والقومية هما اللذان حركا العرب ودفعاهم خارج جزيرتهم ، فأسسوا حضارة عظيمة ، وأنشئوا نظما قانونية وسياسية متميزة تعتمد على تعاليم دينهم دونما تأثير خارجي ، وساهموا في بناء الحضارة الإنسانية مساهمة فعّالة كان لها أكبر الأثر في التقدم الذي أحرزته حضارتنا الحديثة . ولم تخلف عوامل « الأثر والتأثر » إلّا أثرا متواضعا في بناء الدولة الإسلامية التي تميزت بخصائص متميزة مرتكزة على دينها وقوميتها . تأثر « بيكر » بمؤلفات من سبقه من المستشرقين خاصة « فلهاوزن » وكانت لهذه القراءات العديدة والمتعمقة أثرها في توجهه إلى الدراسات الإسلامية . وتحددت ثقافته الإسلامية في بداية أمرها بهذه الدراسة الحرة التي اكتشف منها الحضارة الإسلامية في إطار دراسة تاريخ الأديان . وقد قادته هذه الدراسة إلى القيام بأبحاث تاريخية حول الإسلام مشفوعة برؤية ثقافية عميقة ، ومعززة بمشاهدات مباشرة إبّان تجواله في الشرق . إن المنهج « المونوجرافي » الذي طبقه « بيكر » على الدراسات الإسلامية يتلخص في النظر إلى الموضوع الذي يبحثه نظرة شاملة مختصرة مركّزة تحيط بالقضية الواحدة التي يعالجها من جميع جوانبها دفعة واحدة ، ذلك أن هذه القضية الواحدة التي تخضع للدرس والتمحيص لها خصائصها ومميزاتها المحددة بحيث لا يمكن الكشف عنها أو استجلاؤها في جوهرها إلّا بالنظر إليها كوحدة واحدة . ثم يقوم بربط القضية الواحدة المدروسة بجميع القضايا الأخرى المرتبطة بها ، ناظما الكلّ في سلك تاريخي واحد ،
هامش
( 1 )Waardenburg , op . cit . 129 .