أمّا بالنسبة إلى البعثات التبشيرية فإن « بيكر » يراها منفصلة ومستقلة عن الدولة وسياستها المتبعة حيال مستعمراتها ، ويؤكد أن مصالحهما متطابقة ، ولا يعتقد فعاليتها ، ويفضل عليها البعثات « الثقافية » ، ومع ذلك فهو يطلب من الدول مساعدتها لمنع انتشار الإسلام في مستعمراتها « 1 » .
تتحدد منهجية « بيكر » في الدراسات الإسلامية في تمييزه بين مفهومين مختلفين ألا وهما : « تاريخ الأديان وتاريخ الحضارات » ، فيعالج بالمفهوم الأول دراسة الإسلام وأفكاره باعتباره دينا ، ويعالج بالمفهوم الثاني حضارته وتطوره « 2 » . ولكنه يركز بالدرجة الأولى على المفهوم الثاني الذي يستخدمه بصورة شاملة ، ومركّزة ومختصرة ، ولا يلجأ إلى التفاصيل للكشف عن تطور الإسلام وبيان جوهره . وهذا المنهج يطلق عليه مصطلح « الدراسة الوافية
Monographique
» والذي يتحدد في دراسة الموضوع بصورة مختصرة عميقة محددة تعتمد على التركيب ، ولا تتطرق إلى التفاصيل إلّا إذا دعت الضرورة الملحة إلى ذلك . وقد عالج « بيكر » بهذه المنهجية الصارمة الدراسات الإسلامية مستخدما مفهوم « تاريخ الحضارات » والتي قادته إلى نتائج لا تتفق عادة والمألوف لدينا ، وأهمها أن الحضارة الإسلامية قد تأسست على أنقاض الحضارة اليونانية ، وأن قيمه وتعاليمه الحالية لا يكتب لها الدوام والاستمرار إلّا إذا اصطبغت بالصبغة الأوروبية الحديثة . وهذه الدعوة الملحة إلى الاستلاب الثقافي الذي حاول جاهدا ترسيخها لا تستند إلى أسس علمية صحيحة ، فالإسلام يستطيع أن يقدم للبشرية طريقا للحياة ونظاما للحكم ، وقوانين صالحة للتطبيق دون أن يصطبغ بالصبغة الأوروبية الحديثة . وقد أثبتت التجارب العملية الماضية منها والحاضرة صحة ما ندعيه ، بل إن بعض الأقطار الإسلامية التي اعتنقت الثقافة الأوروبية ، ونهلت من معين شرائعها ، واتبعت أسلوب حياتها لم يكتب لها التقدم المنشود ، ولكنها فقدت أصالتها ، ولم ترق إلى مستوى من قلدته . وما مثال تركيا عنّا ببعيد ، فلا هي دولة أوروبية حديثة ولا هي دولة إسلامية شرقية ، وأصبحت كالغراب الذي حاول تقليد مشي اليمامة ففقد مشيته الأولى وأصبح يسير أعرج .
كما أن هذا المنهج التاريخي « المونوجرافي » قاده إلى استنباط نتائج أخرى غير
هامش
( 1 )Becker « Is » 11 , op . cit , 224 / 5 / « en 1910 » .( 2 )Becker « Is » 11 , op . cit , 1 , 332 .