وبصفته وزيرا للثقافة ، فقد حاول تجريد وزارته من السياسة ، وانصب اهتمامه على العلم والثقافة ، ولم يشارك شخصيا في أنشطة سياسية محددة ، ووقف اهتمامه على المسائل العلمية والثقافية ، وحاول إضفاء الليبرالية على التعليم الألماني واهتم بالحريات الفردية ، وحاول إيجاد توازن بين هذه الحريات الفردية وبين قدرات الأفراد الذاتية خدمة للمجتمع بكامله ، إلّا أن معظم محاولاته باءت بالفشل نظرا للظروف السياسية المضطربة التي مرت بها بلاده بعد هزيمتها في الحرب الكونية الأولى والتي أدت إرهاصاتها إلى خروج « هتلر » إلى الميدان .
وعندما استقال من الوزارة عام 1930 م باشر « بيكر » تدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة « برلين » ، واستمر في الوقت ذاته في السفر والترحال حتى وصل إلى الصين بصفته مبعوثا من عصبة الأمم لتنظيم التعليم في ذلك البلد الشرقي المترامي الأطراف ، المتعدد الثقافات والديانات ، ثم عاد منها إلى بلاده عن طريق إندونيسيا وإيران والعراق .
وعندما وصل « هتلر » إلى السلطة عام 1933 ، وجد « بيكر » أن قيمه قد انهارت وأن أفكاره قد تحطمت وأن ألمانيا ذاتها قد انتهت فتحطم قلبه ، وفارق دنياه ، وأنقذه إلهه من رؤية ما كان قد تنبأ به ، وهكذا مات في « برلين » عام 1933 م ، وبموته فقد الاستشراق الألماني كبار أساطينه ، وأشهر رواده ، وأكبر من ساهم بعلمه في خدمة مصالح بلاده السياسية والاستعمارية .
بلغت مؤلفات ودراسات وأبحاث « بيكر » أكثر من 230 ، وتعاون مع الموسوعة الإسلامية التي كتب فيها ستين مقالا ، وظهرت دراساته الأخرى في مجلدين كبيرين تحت عنوان « دراسات إسلامية
Islamstudien
» . وكان رئيس تحرير مجلة « الإسلام » التي يعود إليه الفضل في تأسيسها عام 1910 م « 1 » .
أمّا بالنسبة لمنهجيته في الدراسات العربية والإسلامية ، فقد رأينا اهتمام « بيكر » بالمسائل السياسية الحديثة التي تهم بلاده خاصة علاقتها مع تركيا والشرق . وكان الشرق في ذلك الأوان مجالا للتنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية ، وحاولت كل دولة الاستئثار بجزء منه ، ولم تستطع ألمانيا النفاذ إليه نتيجة الحصار السياسي الذي ضربته فرنسا وإنجلترا عليها ، فاتجهت إلى تركيا التي حاولت النفوذ من خلالها إلى هذا
هامش
( 1 )Ibid , p . 30 .