تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ونحن نرى أن هذه المنهجية المستندة إلى مقولة « الأثر والتأثر » لا تصلح للحكم على الديانة الإسلامية من حيث نشأتها وتطورها ونوعية الحضارة التي قدمتها للبشرية . وملخص هذا الرأي الذي تشبث به المستشرقون أن المسلمين استقوا حضارتهم من مصادر أجنبية ، وأن فلاسفتهم كانوا شرّاحا ومترجمين للفلسفة اليونانية . وأن عبقرية علماء المسلمين قد تجلّت في الشرح والنقل ولكنها اختفت في الخلق والإبداع . وقد استمرت هذه الأفكار الخاطئة حتى بعد بروز علوم جديدة ومناهج بحوث حديثة ، طبقت على دراسة الحضارات ، والعلوم الاجتماعية والتاريخية . وأصبح منهج « الأثر والتأثر » من تراث القرن الماضي لارتباطه بالنزعة التاريخية التي هي أحد جوانب المذهب الوضعي ، الذي أصبح منبوذا لدى الغربيين في الوقت الحاضر ، بعد أن حلت محله مناهج جديدة كالمنهج البنائي ، والمنهج الفينومينولوجي ، والمنهج النفسي ، والمنهج التحليلي اللغوي وغيرها من المناهج العلمية التي لو طبقها المستشرقون على الدراسات الإسلامية لما وصلوا بها إلى هذه النتائج الخاطئة ، التي لا يزالون مصرين عليها . ثم إن عملية الشرح التي يسندونها إلى علماء المسلمين ليست بالهينة واليسيرة ، لأنها عبارة عن عملية حضارية طبيعية تحتوي فيها الحضارة الناشئة الحضارات المجاورة ، بعد التعرف إليها وابتلاعها داخلها ، وأخذ مصطلحاتها وتصوراتها كأدوات للتعبير « 1 » . ثم إن الشرح لا يعني تغيير لفظ بآخر أو استبدال عبارة بأخرى ، ولكنه تعبير جديد يظهر فيه عمق الشارح وثقافته حتى يتمكن من إعادة بناء الشيء بناء جديدا خالصا ، ومعنى هذا أن يكون الشارح أكثر علما من الشيء المشروح ، ويمتد إلى التحقق من صدق القول الذي شرحه ، فإذا ظهر صدق هذا الشيء تمّ الاستشهاد به ، وإذا ظهر عدم صدقه تمّت مراجعته وتعميقه ، وإذا ظهر شك فيه توقف الباحث عن شرحه وأعلن صراحة عن شكه . ومن هنا كان خطأ منهج المستشرقين ومن بينهم هرجرونيه الذي ركز على مفهوم « التمثل والاستيعاب » وأصرّ على تطبيق منهج « الأثر والتأثر » في الدراسات الإسلامية . كانت نتائج دراسات « هرجرونيه » قد تمثلت في التركيز على دراسة السيرة النبوية ، والفتوحات الإسلامية ، والشريعة الإسلامية ، وكان نتاجه ضئيلا في مجال
هامش
( 1 ) حسن حنفي ، دراسات إسلامية ، المرجع السابق ، ص 159 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 186 | ساسي سالم الحاج