في تكوين دولة تضاهي الفرس والروم ، وخلافه مع المجتمع المكي المعتمد على التجارة . وأخيرا اعتقاده الجازم برسالته للناس كنبي من خلال القرآن الذي ينزل عليه من السماء . فمن خلال هذه الروح المحمدية مرورا بتطور المجتمع الإسلامي بعد وفاته إلى دولة منظمة متسعة الأرجاء يجب على الباحث دراسة الإسلام ، وهكذا نرى هذا المستشرق يعتمد على المنهج التاريخي في دراسة الإسلام ، وهو منهج عقيم لا يمكن الوصول به إلى نتائج موضوعية في ما يتعلق بهذا النوع من الدراسات التي تبتعد كثيرا عن الماديات وتقترب بشدة إلى المثاليات .
يرى « هرجرونيه » أن دراسة أي دين من الأديان تعني دراسة تاريخ هذه الديانة من حيث أصولها ، واتساعها ، ومذاهبها ، والحركات الفكرية التي تفرزها ، والنمط الحضاري الذي تعتمد عليه . وقد اعتمد على هذه المعايير في دراسة الإسلام ماضيا وحاضرا ، ولكنه لاحظ منذ البداية أن الدراسات الإسلامية المعتمدة على المناهج العلمية ما زالت في بدايتها ، وأنها تحتاج إلى استمرارية وعمق كبيرين « 1 » .
أمّا بالنسبة إلى مفهوم « العلم » فإننا قد رأينا أن « جولدزيهر » وقف حياته على الدراسات الإسلامية لأسباب علمية ودينية ، أمّا صاحبنا باعتباره عقلانيا فإن الأسباب التي دفعته إلى هذه الدراسة تعتمد على المعرفة العلمية دون سواها ، والتي تقود في النهاية إلى تحقيق أهداف أخلاقية . وتتجلى هذه الأهداف الأخلاقية في دراسة الإسلام بطريقة علمية مستندة إلى عقلانية عالمية تناضل ضد تلك الأحكام الجائرة والتعسفية التي تطلق على الديانة الإسلامية . وهكذا فقد اعتمد في هذه الدراسة على الحقائق العلمية تحقيقا لأهداف أخلاقية . غير أن هذه الحقائق العلمية التي حاول جاهدا البرهنة عليها لا تتفق والمعتقدات الإسلامية ، خاصة فيما يتعلق بالرسالة المحمدية ، وأصالة القرآن ، وحقيقة الوحي الإلهي .
هكذا درس « هرجرونيه » الإسلام باعتباره دينا أسسه النبي محمد حالة كونه الشخصية التاريخية المؤسسة لدين عالمي . وكان لموته المفاجئ نتائج مأساوية لأنه كان بالإمكان أن تقف هذه الحركة التاريخية التي أسسها عن التطور . إلّا أن استمرار هذه التعاليم الدينية ، وما دفعت به العرب إلى نشرها في أصقاع عديدة من العالم ، جعلت هذه الحركة التاريخية في حالة من الحيوية غذّتها الدوافع الدينية المتمثلة في
هامش
( 1 )Goldziher ; UG , VI , 70 - 80 .