الثواب والعقاب الأخروي . وقد كفلت هذه الروح استمرارية الإسلام كعقيدة ثم تطوره كدولة ، كما يرى هذا المستشرق أن لدراسة الشريعة الإسلامية فائدة تاريخية لأننا من خلالها نستطيع أن نستقرئ كيفية تكوين هذا النظام ، والتعرف إلى أصول الأفكار الدينية التي عاشت هذه الشريعة في كنفها . وهكذا فإن دراسة أي دين من الأديان ما هي إلّا عبارة عن دراسة تاريخ نشأته وأصوله ، وتوسعه ، واستيعابه للعناصر الجديدة الوافدة عليه ، وأخيرا استقراره في حضارة محددة المعالم . ويرى « هرجرونيه » اجتماع هذه العناصر كلها في الإسلام الذي يجب دراسته من خلالها .
استخدم « سنوك هرجرونيه » مفهوم « التطور التاريخي » في الدراسات الإسلامية ، وهذا المفهوم وإن كان يتطابق ومنهجية « جولدزيهر » إلّا أنه يختلف عنه في المضمون .
فلقد رأينا أن « جولد زيهر » يقصد بهذا المفهوم الكشف عن العناصر الداخلية والخارجية المؤثرة على الحركة الإسلامية ، واستقراءه النصوص لاكتناه ما تخفي وراءها من مقاصد . إلا أن صاحبنا يقصد بهذا المفهوم سلسلة الحوادث ، والأفكار ، والتمثلات التي شملها التاريخ الإسلامي . ومن خلال هذا المفهوم يستطيع الباحث معرفة تراث القدماء ويستشف منه المستقبل الذي سيحدد حتما نتيجة هذا التطور . ومن هنا كان اهتمامه بدراسة الإسلام المعاصر وخاصة الحركات السلفية كالوهابية وغيرها .
وبجانب مفهوم التطور التاريخي ، استخدم « سنوك هرجرونيه » منهج الأثر والتأثر والذي أطلق عليه « مفهوم التمثل والاستيعاب » . وقد غالى في تطبيق هذا المنهج غلوا كبيرا بالنسبة إلى الإسلام عندما اعتقد أن معظم العناصر الأساسية المكونة للديانة الإسلامية كانت عناصر خارجية ، إلّا أن الإسلام قد استوعبها وتمثلها ، وأصبحت جزءا من نظامه العام . وهذا المفهوم يقودنا حتما إلى معرفة الأصول التي قامت عليها الديانة الإسلامية . وهو يرى أن الإسلام قد نشأ معارضا للديانات القديمة التي يؤمن بها العرب في الجاهلية ، كما جاء معارضا للديانتين اليهودية والمسيحية . ولكنه استوعب هذه الديانات جميعا بصورة تدريجية بحيث أصبحت تشكل هذه الديانة الجديدة التي لا تعتمد على أصول خاصة بها . وهذه الفكرة المغالية خلقت لنا مشكلة الشك في أصالة الإسلام كمشكلة تاريخية . وهي لا تصمد أمام الحقائق التاريخية الدامغة التي تبين بجلاء هذه الأصالة بعيدا عن مفهوم التمثل والاستيعاب .
وفي دراسته للإسلام المعاصر ، فإن هرجرونيه يعتبر النظام الإسلامي - بما يحتويه من تعليمات تنظم الحياة الدنيوية والأخروية - كعامل مستمر يرسم طريق الحياة
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 184
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص١٨٤